لقد اختار الله مصر لتكون مهدًا لرسالاته.
ومعبرًا آمنًا لأنبيائه.
فآدم أبو البشر، وأول الأنبياء أتى من أحفاده نبي الله إدريس، فأقام بمصر ليطلق دعوة التوحيد من أرضها، فهو ثالث الأنبياء، بعد آدم وشيث، وقد عاش وبُعث في حياة آدم، عليهم جميعًا الصلاة والسلام.
يقول ابن كثير: كان إدريس أول بني آدم أعطى النبوة بعد جده آدم، وبعد شيث، عليهما السلام.
ويقول ابن إسحاق عن معاصرته لآدم: إنه أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثمان سنين، وقال تعالى في شأنه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا، وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) (مريم: 56)، ذلك أن مصر قد دخلت في دين الله، وعرفت التوحيد وحيًا إلهيًا، وتلقت علم النبوة، منذ فجر الإنسانية، بل في حياة أبي البشر آدم عليه السلام.
وإلى مصر رحل إبراهيم الخليل -عليه السلام- وأبو الأنبياء، إبان حكم الهكسوس (1861 ـ 1686 ق.
م) ومن بنات مصر السيدة هاجر عليها السلام، أنجبت نبي الله ورسوله إسماعيل عليه السلام، فهو أبو العرب العدنانيين.
فبمصر ارتبط أبو الأنبياء.
وأحد أولي العزم من الرسل، وفي شأنه قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) (مريم: 41).
وإلى مصر جاء يوسف -عليه السلام- وعلى أرضها أوحى إليه فبلَّغ الرسالة.
وعمل وساس وأصلح.
أيام عهد الأسرة الخامسة عشرة أيضا في عهد الهكسوس (القرن 17 ق.
م) إذ حكموا حتى الأسرة 17 على طريقة الفراعنة.
قال تعالى (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ( يوسف: 56).
وفيما يخص معاصرة يوسف عليه السلام لعصر الهكسوس بمصر! فنقول: إن هجرة الهكسوس إلى المنطقة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط صوب مصر، بدأت في بداية القرن التاسع عشر/ ق.
م، حتى إذا نشروا ثقافتهم ومبادئهم، ووضحت أمامهم سبل مصر وشعابها، انقضوا عليها بجيش جرار، سيطروا به على الدلتا في بادئ الأمر (1730/ ق.
م) ثم امتد سلطانهم إلى مصر الوسطى.
وقد انتهزت جماعات الهكسوس فرصة عدم الاستقرار، وهشاشة نظام الحكم في البلاد، فأخذوا في الانقضاض على السلطة، بعد أن أصبح لهم نفوذٌ كبيرٌ فى مصر، وتم للهكسوس الاستيلاء على الحكم (1730 ق.
م) باستثناء بعض الجيوب التى ظلت تُحكم من خلال مصريين لفترة وجيزة، وتحررت البلاد منهم على يد البطل العظيم أحمس، الذي أوقع بهم الهزيمة النهائية (1580/ ق.
م) والذي طاردهم حتى خارج حدود مصر.
وسيدنا إبراهيم عليه السلام كان في الفترة ما بين (1861 ـ 1686/ ق.
م ) أي في فترة الهكسوس وتغلغلهم في مصر، وكذلك سيدنا يوسف فقد عاصر أخريات عهد الهكسوس بيد أن إبراهيم عاصر بدايات تغلغلهم ولم يعاصر انقضاضهم على أغلب أراضي مصر، بينما يوسف كان في الفترة ما بين (1745 ـ 1635 ق.
م) قد أدرك حكم الهكسوس الشامل لمصر العليا.
ومن مصر انطلقت صيحة التوحيد من لدن تحتمس الثالث الأكبر (1468/ ق.
م) الذى قال في حومة قتاله مع الوثنيين، في ملحمة قادش الأولى -مجدو-: رأيت الله في المعركة، كان أقرب إليّ من جنودي، هو الذى نصرني.
وفي مصر ارتفعت دعوة التوحيد في مناجاة أمنحوتب الثالث (1397ـ 1360ق.
م) لله الواحد الأحد: أيها الموجود دون أن توجد، مصور دون أن تُصور، هادى الملايين إلى السبل، الخالد فى آثاره التى لا يحيط بها حصر.
وفي مصر دوى نداء التوحيد الذى أطلقه إخناتون (أمنحوتب الرابع.
1370 ـ 1349 ق.
م) وفيه قال: أنت إله، يا أوحد، ولا شبيه لك، لقد خلقت الأرض حسبما تهوى، انت وحدك، خلقتها ولا شريك لك.
نعم يأتي في مصر أمنحوتب الرابع الذي هو إخناتون بعد طرد الهكسوس ب 213 سنة ويطلق نداءه في العام (1367/ق.
م ) برفض فكرة تعدد الآلهة تلك التي استشرت لفترات طويلة في مصر القديمة.
وفي مصر أيضًا، كان رمسيس الثاني (1290 ـ 1223 ق.
م) الذي سار على ما تبقى من ومضات النبي إدريس عليه السلام، ومن أتى بعده من الأنبياء، فيما لم يتم ذكرهم وهم كثير، قال تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا) (النساء: 164).
وفي مصر ولد ونشأ وتعلم نبي الله موسى.
وأخوه هارون، عليهما السلام، وأوحى الله لموسى، وأنزل عليه التوراة والألواح في سيناء بالهيروغليفية، لغة المصريين بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر (1213/ ق.
م) في عهد الأسرة التاسعة عشرة، وتحديدًا في عهد حكم مرنبتاح الذى كان ملكا باطشا جبارًا.
وفي مصر القديمة ظهر الملك العظيم إخناتون (1367/ق.
م) واسمه الحقيقي أمنحوتب الرابع -إخناتون- وهو من أشهر ملوك الأسرة 18 وهو الذى رفض فكرة تعدد الآلهة، إذ رأى أن هناك إلها واحدًا خلق الكون، ووهب كل من فيه الحياة، أسماه آتون، وأسمى نفسه إخناتون.
أي المخلص لآتون، ورمز له بقرص الشمس.
ولِمَ لا يكون إخناتون نبيا ممن لم يذكرهم القرآن وفى ذلك يقول تعالى (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (النساء: 164)وإلى مصر لجأ المسيح عيسى عليه السلام برفقة أمه مريم البتول، طلبًا للأمن، ونجاة من طلب هيرودس الباطش الروماني، الذي أراد أن يقتله.
فإذا بمصر تكسو المسيح وأمه حُلة الأمن والأمان، حيث قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) صدق الله العظيم.
وفي النهاية نعاود القول: إن التوحيد قد بدأ في مصر وحيًا إلهيًا، قام عليه أنبياء تم ذكرهم وأنبياء لم يُذكروا.
المجد والخلود لمصر الحضارة والتاريخ.
العلياء والسؤدد لشهدائها الأبرار.
العز والفخار لشعبها الأبي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك