في بلدٍ أنهكته الحرب، تبقى جزيرة توتي السودانية رمزًا للتمرد على النزاع الدامي الذي تعيشه البلاد منذ ثلاث سنوات.
وتقع الجزيرة عند التقاء النيل الأزرق والنيل الأبيض في الخرطوم، ويتمسك من تبقى من سكانها بأمل السلام على الرغم من مرارة الحصار الذي يعانوه، وهو ما دفع وكالة «فرانس برس» لتسليط الضوء على هذه الجزيرة.
سيدة ثمانينية تتمسك بالجزيرة: لم أتركها حتى أثناء الاستعمارتؤكد السيدة السودانية «الشباك النبي» التي تجاوزت عقدها الثامن، رفضها مغادرة منزلها في الجزيرة في ظل حصار خانق أفرغ الجزيرة من سكانها تباعا.
وتقول المرأة بابتسامة عريضة بعد سنة على استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم من قوات الدعم السريع، «لم أترك بلدي حتى أثناء الاستعمار الإنجليزي الذي انتهى قبل 70 عاما».
وتتذكر مقولة مرتبطة بمواجهة الاحتلال ترددها ابنتها «حارب آباؤنا الاستعمار بالحجارة وقابلهم الاحتلال بالنار، ولم يدخلوا توتي بلد الخَضَار».
وتقع توتي في قلب نهر النيل في مواجهة الخرطوم التي اندلعت فيها الحرب في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وفي الأشهر الأخيرة، عاد كثر من سكان الجزيرة إلى منازلهم بعد حصار استمر من يونيو 2023 حتى مارس 2025 حين استعاد الجيش السيطرة على العاصمة.
عودة الحياة إلى جزيرة توتيواستؤنف العمل في الأسواق وعاد المزارعون إلى أراضيهم التي تُعدّ حقولها تاريخيا المصدر الرئيسي للمحاصيل في الخرطوم.
كما استأنف سكان الجزيرة أداء الصلاة في المسجد المبني من حجارة حمراء تعلوه لافتة صدئة تقول إنه تأسس في العام 1480.
من مكان للاستجمام إلى حقل ألغامفي الماضي، كان سكان الجزيرة وزوارها يحتسون الشاي جالسين على كراس بلاستيكية فيما تسبح أقدامهم في مياه النهر عند نقطة التقاء النيل الأزرق والأبيض ليصبحا نهرا واحدا ينساب شمالا إلى مصر.
لكن السلطات السودانية أعلنت أن تلك النقطة تحوّلت إلى حقل ألغام.
ويتذكّر صلاح الدين عبد القادر، أحد سكان الجزيرة، سنوات الحصار حيث لم يكن يدخل أو يخرج شيء إلا بإذن قوات الدعم السريع التي اعتادت بيع الطعام والدواء والوقود بضعف الثمن، فيما تقاضى مقاتلوها الأموال مقابل السماح بالمرور عبر الجسر الوحيد الذي يصل توتي بالخرطوم.
وبحسب عبدالقادر (34 عاما)، كان المقاتلون يتقاضون نحو 350 ألف جنيه سوداني (نحو 90 دولارا أميركيا)، أي ما يزيد على ضعف الراتب الشهري للأطباء.
قوات «الدعم السريع» تقهر سكان الجزيرةويقول الشيخ محمد عيد الذي كان ينشط على مواقع التواصل الاجتماعي لإيصال معاناة سكان الجزيرة، إن مقاتلي الدعم السريع «أخرجونا رغما عنا بالسلاح وبأموالنا»، في إشارة إلى أنهم أُرغموا على دفع الأموال حتى يُسمح لهم بالمغادرة عبر الجسر.
ورافق ضابط في الجيش السوداني صحافيي الوكالة الفرنسية أثناء تجولهم في الجزيرة، وكان يبتعد عن المتحدثين أثناء إجراء المقابلات.
ويروي عيد الذي كان يعتمر عمامة سودانية تقليدية بيضاء، كيف حاولت حكومة الرئيس السابق عمر البشير إخراجهم من الجزيرة مرارا لبناء منتجعات ومشاريع استثمارية فيها.
ويقول من منزله الذي يمكن منه رؤية السماء من خلال فتحة في السقف أحدثتها قذيفة مدفعية «نحن مثل السمك في الماء، لا يمكننا العيش خارج توتي».
وقبضت قوات الدعم السريع» على عيد بعد شهرين من عمله في جمع التبرعات لدفع الرشى للمقاتلين مقابل السماح بإدخال الطعام والوقود للجزيرة حتى لا يتضوّر أهلها جوعا.
وتنقّل الشيخ على مدى تسعة أشهر بين سجون عدة التقى خلالها معتقلين آخرين من سكان الجزيرة لقي بعضهم حتفه أثناء الاحتجاز.
وسرعان ما أدت قبضة قوات «الدعم السريع» إلى تفريغ الجزيرة من كثير من سكانها.
ومن أصل ما كان يُقدّر بـ30 ألف شخص، لم يتبق سوى عائلة الشباك التي بقيت للاعتناء بالجدة التي رفضت مغادرة المغادرة.
وتقول نجاة النور، ابنة الشباك النبي: «نحن هنا لنحرس ترابنا»، واصفة مغادرة السكان للجزيرة بأنه خطأ كبير.
نهب المنازل واتهامات للسكان بالتجسسوتحمّلت نسيبة سعد وعائلتها العيش تحت حكم قوات الدعم السريع لعام ونصف العام شهدت خلالها اقتحام المنازل ونهب المقتنيات والذهب والهواتف المحمولة واتهام السكان بالتجسس لصالح الجيش، وفق ما تقول.
وتتابع لوكالة «فرانس برس»: «إذا حاولنا التحدث معهم (مقاتلي الدعم السريع) كانوا يقولون لي اصمتي أو سنفرغ فيك السلاح».
وخلال ساعات الليل كان يسمع صوت حركتهم في البيوت التي هجرها أهلها، وصوت إطلاق نار عشوائي أدى إلى مقتل عدد كبير من الأشخاص، وفق نسيبة سعد التي قررت وعائلتها الدفع لمغادرة الجزيرة حين بدأ المقاتلون سرقة الطعام والأموال.
ولم تتوقع سعد أن ترى منزلها مجددا.
لكنها عادت.
وتقول بابتسامة «شارعنا شبه اكتمل.
تنقصه فقط أسرتان ستعودان قريبا إن شاء الله».
المفقودون ينغصون فرحة سكان الجزيرةغير أن فرحة سعد يشوبها الألم، إذ ما زال اثنان من أفراد عائلتها مفقودَين، ويرجح أنهما قتلا، فيما فقدت كل عائلة من عائلات الجزيرة أفرادا لها في الحرب.
على الرغم من ذلك، تقول فيما تملأ رائحة البخور الجو في غرفة تطل نافذتها على أشجار ياسمين، «الرجوع شعور جميل جدا؟ أن تجد أهلك وأحباءك وبيتك، راحة ما بعدها راحة».
في الحقل المجاور، كان مزارع يتوجه إلى منزله حاملا كيسا ممتلئا بمحصول القرع.
وإلى الجنوب، بدت أطلال الخرطوم تعلوها ناطحات السحاب التي انفجرت فيها القنابل.
وباتجاه الغرب حيث كانت السماء تتحوّل للون البرتقالي قبل المغيب، القى صيّاد صنارته في النيل قرب عائلة كانت في نزهة على ضفة النهر.
وقرب مياه النيل والغروب خلفهما، طلب زوجان خرجا للتنزه، من صحفية الوكالة الفرنسية التقاط صورة لهما كتذكار للنزهة في جزيرتهما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك