ما كنا نراه في الحالة اللبنانية من انقسام استثناء في تاريخ العرب الحديث والمعاصر انتقل إلى أكثر من بلد عربي ليتحول إلى حالة مكرسة من الانقسام والتمرد على وحدة الدولة وسلطتها.
تحولت اللبننة إلى رمز لتمزيق كيان الدول في العمق، مترجمًا بأمرين:أولًا: التغول المليشياوي الذي صنع الولاء لغير الوطن اللبناني، متحديا الدولة ووحدتها ومركزية قرارها، حيث سبق لإيران الخمينية القيام بأكبر عملية تمرير للثقافة الطائفية، وتفريغها في المحيط العربي اللبناني بشكل ممنهج، باستخدام كل الوسائل مع الاختراق الأمني.
وهذه الثقافة لم تكن موجودة عند العرب أصلًا، فالطائفية ليست ركيزة من ركائز العلاقات الاجتماعية أو السياسية في تاريخ العرب السياسي الحديث والمعاصر.
ومن أهم أهداف الحملة الإيرانية التي استمرت حوالي خمسة عقود، العزف على أوتار نصرة القضايا.
وللأسف فإن المشروع قد تمكن من تحقيق بعض الاختراقات بالتأثير في قناعات بعض الجماعات التي تم تجنيدها أو تشكيلها سياسيا أو مليشياويا للعمل على ضعضعة النسيج الاجتماعي واختراقه.
حيث شكلت المليشيات تهديدا حقيقيا لوحدة الدولة وقرارها وسيادتها متسببة في واحدة من أعقد الأزمات الهيكلية التي تواجه الدولة، حيث تحولت سلطة الميليشيات إلى دولة داخل الدولة توازي أو تفوق مؤسساتها الرسمية.
ثانيًا: تمكين إسرائيل من تحقيق انتصارات عسكرية ودعائية مجانية والاستهانة بأرض لبنان وسيادته بسبب انشطار الدولة بما يوفر ذريعة جديدة للمنطق الإسرائيلي الذي وصل ذروة تبجحه بإعلانه احتلال جزء من جنوب لبنان ووضع خط أصفر بداخله، يضاف إلى الخط الأزرق الدولي، كخطوة متقدمة لعودة الاحتلال وليس تفتيت الدولة فحسب.
إن النضال العربي من خلال الدولة الوطنية وعبر أكثر من نصف قرن من الاستقلال كان في الأساس نضالا اجتماعيا وسياسيا، من أجل الحرية والديمقراطية والسيادة الوطنية ووحدة الدولة، ولكن النزعات الطائفية التي تعززت مع الثورة الخمينية، نجحت في اختراق جزء من جسم الأمة، فنقلت الصراع من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية في إطارها السياسي المدني، إلى صراع طائفي مفتعل، لتتحول المفاهيم الطائفية إلى أدوات يجري خداع الناس من خلالها.
إلا أن النظام الطائفي الذي تشكله مثل هذه القوى يعجز اليوم عن المساهمة الجادة في بناء الدولة وتنميتها وتحقيق مناعتها وسيادتها الوطنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك