تتحرك تجربة اقتباس الرواية إلى السينما داخل منطقةٍ تتقاطع فيها بنيتان، الرواية بما تحمله من كثافة لغوية وتعدد أصوات وتراكب زمني، والسينما بما تشتغل عليه من تحويل الزمن إلى صورة.
وفي هذا السياق، يندرج مشروع تحويل رواية" مواليد حديقة الحيوان" (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2024) للروائي المصري أشرف العشماوي إلى فيلم سينمائي من توقيع المخرج أحمد مدحت، وقد جاء الإعلان عن المشروع عقب تتويج الرواية بجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها العشرين (2025-2026).
في حديثه لصحيفة العربي الجديد، يضع أشرف العشماوي تصوراً واضحاً لعلاقته بهذا التحول، يبدأ من حرصه على تثبيت عنوان الرواية داخل أي اقتباس سينمائي، بما يمنح العنوان وظيفة تتجاوز التعريف إلى كونه امتداداً دلالياً للنص، وعلامة تستمر في مرافقة العمل داخل انتقاله إلى وسيط آخر، وبما يمنحه حضوراً ثابتاً داخل مسار التحول، حيث يحتفظ النص بذاكرته الأولى داخل فضاء الصورة.
تصور يتصل بفهم العشماوي للمسؤولية داخل عملية الاقتباس، إذ يستعيد انتماءه إلى مدرسة نجيب محفوظ، التي تقوم على توزيع واضح للأدوار بين النص الروائي والعمل السينمائي.
فالرواية تبقى مجالاً يتحمل الكاتب مسؤوليته، بنيةً مكتملةً داخل اللغة، بينما يتشكل الفيلم ضمن مسؤولية السيناريست والمخرج وبقية الفريق الفني، بما يمنح كل وسيط استقلاله في إنتاج المعنى، ويجعل التلقي اللاحق فعلاً قائماً على قراءة كل عمل داخل منطقه الخاص، كما يوضح الكاتب.
توزيع واضح للأدوار بين النص الروائي والعمل السينمائيوفي علاقته بالمخرجين وكتّاب السيناريو، يحافظ العشماوي على مسافة مهنية تسمح بالاطلاع على المعالجات وإبداء ملاحظات محدودة، وعادة ما يكون متحفظاً، من دون تحويل ذلك إلى تدخل في البنية الإبداعية.
وفي مشروع" مواليد حديقة الحيوان"، تتجلّى هذه العلاقة، بحسب العشماوي، في بضعة ملاحظات لفتت الانتباه إلى مرتكزات العمل الأعمق، من بينها فكرة" الأقفاص غير المرئية"، التي يراها أحد المفاتيح المركزية في النص، حيث يُبنى العالم على تصور لقيود غير مرئية تعيد تشكيل إدراك الحرية من الداخل.
وتتخذ الكتابة عند العشماوي طابعاً مشهدياً داخلياً، تتكون فيه الحركة والحوار داخل بنية لغوية تقترب من اللقطة دون أن تتحول إليها.
ويظل النص داخل اللغة حتى لحظة الإخراج، حيث تكتمل الصورة داخل فعل بصري يعيد بناء العالم وفق منطق السينما.
وضمن هذا التصور، يحتفظ السيناريو بموقعه نصاً وسيطاً مفتوحاً على التكوين، لافتاً إلى أن دور النص يتحدد عبر قدرته على فتح المجال أمام الرؤية الإخراجية.
وتقوم الرواية على ثلاثة نوفيلات مترابطة تتداخل في خيط سردي واحد، ما يمنحها طابعاً متعدد المستويات، حيث تتجاور الحكايات داخل شبكة سردية تتحرك عبر تعدد الأصوات والزوايا.
وضمن هذا البناء، تتخذ" حديقة الحيوان" موقعاً رمزياً يتسع لقراءة اجتماعية مكثفة، إذ يتحول المكان إلى فضاء يعيد ترتيب العلاقات الإنسانية داخل حدود واحدة، ويمزج أسلوبياً بين الواقعية السحرية والسخرية الاجتماعية اللاذعة، ما يعكس تناقضات الواقع المصري.
ويفتح مشروع الاقتباس السينمائي المجال أمام قراءة ثانية للرواية، تتشكل عبر الصورة في امتداد آخر للسرد داخل شكله الجديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك