كانت تجلس على أحد المقاعد الخشبية داخل محكمة الأسرة، تضم حقيبتها إلى صدرها وكأنها تحاول أن تحتوي ما تبقى من حياتها، وعيناها مرهقتان، ليس فقط من طول الانتظار، بل من سنوات طويلة من الصبر الذي لم يقدر، وبجوارها ملف أوراق ثقيل، يحمل تفاصيل حكاية بدأت بالأمل وانتهت داخل أروقة المحاكم لم تكن تتخيل يومًا أن تصل إلى هنا، لكنها الآن تنتظر دورها، بعد أن فشلت كل محاولات الإصلاح، فما قصة كاملة التي طلبت الطلاق بعد 12 عامًا و3 أطفال؟تعود كاملة.
م صاحبة الـ38 عامًا بذاكرتها إلى البداية حين جاءها زوجها الحالي كعريس مناسب، وزواج تقليدي بكل تفاصيله، لكنه لم يكن عريسًا عاديًا، بل كان متزوجًا من أخرى ورغم ذلك، كانت عائلتها على علم بل ورأت أن الأمر يمكن تجاوزه، خاصة بعدما أكد لهم أن حياته الأولى على وشك الانتهاء بسبب خلافات مستمرة، وأن الطلاق مسألة وقت، على حسب روايتها لـ «الوطن».
لم تكن مقتنعة تمامًا لكن كلمات الأهل ضغطت عليها، ونبرة الفرصة لا تعوض كانت أعلى من صوت شكوكها وبدأت الخطوبة، 7 أشهر كانت من أصعب ما مرت به ولم تره خلالها سوى مرات قليلة، دائم الانشغال وكثير الوعود، يؤكد لها في كل لقاء أن زواجه الأول انتهى فعليًا، وأنها ستكون بداية حياته الحقيقية.
ورغم التوتر بين العائلتين، تم الزواج وليلة دخلت فيها بيتها الجديد بأحلام بسيطة، لكنها صادقة كانت تظن أنها تبدأ صفحة مستقرة، لكنها اكتشفت منذ الأيام الأولى أن الواقع مختلف تمامًا عما قيل لها، فالظروف المادية التي وصفها قبل الزواج ليست حقيقية البيت بسيط، والدخل محدود، والالتزامات كثيرة وأكثرها يذهب لبيته الأول، حاولت أن تتحمل، واشتكت لعائلتها، لكن الرد كان قاسيًا «هترجعي مطلقة؟
اصبري» وهنا بدأت أولى حلقات الصمت، على حد حديثها.
ومع مرور الوقت، بدأت شخصيته الحقيقية تظهر ولم يعد ذلك الرجل الهادئ الذي وعدها بحياة مستقرة وأصبح كثير السهر، قليل الاهتمام، يتجاهل مسؤولياته تجاهها وتجاه البيت فالمصروفات تتأخر والاحتياجات الأساسية تتحول إلى عبء عليها ومع ذلك، كانت تتحمل وتقنع نفسها أن هذا نصيب.
رزقت كاملة بـ3 أطفال، وكانت تراهم سببًا للاستمرار، وكانت تقول لنفسها إن وجودهم يستحق التضحية ومرت السنوات سنة تلو الأخرى، حتى وصلوا إلى اثني عشر عامًا من الزواج، فخلال هذه السنوات، كان واضحًا أن هناك بيتًا أول يعيش في مستوى مختلف تمامًا وكل ما يحتاجونه متوفر، بينما هي وأطفالها يعيشون على الفتات هلى حد تعبيرها.
كانت ترى ذلك وتكتم، وتحاول أن تخلق توازنًا وهميًا حتى لا تنهار أمام أطفالها لكن الشعور بالظلم كان يكبر داخلها يومًا بعد يوم، حتى جاء اليوم الذي لم تتوقع أن يكون نقطة التحول، تعطلت الثلاجة القديمة، حاولت إصلاحها مرة، ثم مرتين، ثم أكثر وفي كل مرة تعود لتتعطل من جديد وبعد سنوات من الاستخدام، أصبحت غير صالحة تمامًا، طلبت منه أن يستبدلها، لم تطلب رفاهية، فقط احتياجًا أساسيًا لبيت فيه 3 أطفال، لكنه رفض.
«قالي الظروف متسمحش وممكن الأكل احطه عند جارتي».
شعرت بالإهانة لكنها حاولت أن تقنع نفسها مرة أخرى.
إلى أن اكتشفت بالصدفة أنه قام بتجديد كل أجهزة منزل زوجته الأولى بالكامل، ففي تلك اللحظة لم تكن الصدمة في الثلاجة، بل في المعنى في التفرقة وفي الإهمال المتعمد وفي كونها دائمًا في المرتبة الثانية أو ربما الأخيرة.
واجهته لأول مرة بصوت مرتفع وسألته عن العدل والمساواة، وعن حقها وحق أطفالها لكنه لم يناقش بل هدد قال لها بوضوح «لو مش عاجبك اتطلقي وولادك مش هتشوفيهم»، فكان هذا التهديد هو الكسر الحقيقي، ولم تعد تخاف من الطلاق، بقدر ما خافت من الاستمرار، فقررت أن تخرج من هذا الصمت الطويل وتوجهت إلى مكتب تسوية المنازعات، وبدأت أولى خطواتها القانونية.
في الجلسة الأولى، حاول الخبراء تقريب وجهات النظر تحدثوا عن الأولاد، عن البيت، عن فرصة جديدة لكنها كانت تتحدث عن 12 سنة من الإهمال وهو كان يرى أن كل ما يقدمه كافٍ، وفي الجلسة الثانية، حضر ببرود وكأن الأمر لا يعنيه وتمسك برفضه لأي التزام إضافي، وكرر تهديداته بشكل غير مباشر أما هي، فكانت أكثر ثباتًا وكأنها أخيرًا وجدت صوتها.
الجلسة الثالثة كانت الحاسمة أعلن فيها رفضه التام لأي حل، فتم حفظ التسوية، لتبدأ بعدها إجراءات الدعوى، ولم تنتظر كثيرًا أقامت دعوى طلاق للضرر في محكمة الأسرة بالدقي، مستندة إلى سنوات من الإهمال وعدم الإنفاق الكافي، والتمييز الواضح بينها وبين الزوجة الأولى، إضافة إلى التهديد بحرمانها من أطفالها واليوم، تجلس في المحكمة، تنظر حولها لوجوه تشبهها حكايات مختلفة، لكن الألم واحد، لم تكن تريد أكثر من حياة عادلة، ولم تطلب المستحيل فقط بيت يشعرها بأنها زوجة، لا خيارًا احتياطيًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك