افتُتح، مساء أمس الأربعاء، المسرح الملكي بالرباط في لحظة ثقافية تعيد تثبيت موقع العاصمة المغربية داخل خريطة البنيات المسرحية الكبرى، عقب استكمال مشروع ظلّ قيد الإنجاز منذ إطلاق أشغاله سنة 2014 وانتهائها سنة 2021، قبل أن يتأجل دخوله الخدمة لأسباب تنظيمية ولوجستية مرتبطة بمرحلة ما بعد الجائحة.
يقع المسرح على ضفاف نهر أبي رقراق، في نقطة حضرية تتقاطع فيها معالم تاريخية ورمزية بارزة، من بينها صومعة حسان وضريح محمد الخامس، ما يمنح الموقع بعداً بصرياً خاصاً داخل النسيج العمراني للرباط.
ويأتي هذا المشروع ضمن رؤية حضرية أوسع شملت أيضاً معالم ثقافية وهندسية مثل برج محمد السادس، الذي افتتح هذا الشهر، في إطار إعادة تشكيل الواجهة النهرية للعاصمة.
ويُعد المسرح من آخر المشاريع التي وقّعتها المهندسة المعمارية الراحلة العراقية زها حديد، التي عرفت عالمياً بلغتها المعمارية القائمة على الانسيابية والتكوينات الهندسية غير التقليدية.
ويعكس التصميم طابعها الخاص في معالجة الفضاءات الثقافية بوصفها كيانات حركية قابلة للتشكّل وفق وظائف الأداء والعرض.
يمتد المشروع على مساحة إجمالية تقارب 7 هكتارات، منها أكثر من 25 ألف متر مربع مبنية.
ويتكوّن من قاعة كبرى للعروض تتسع لأكثر من 1800 مقعد، مزودة بتجهيزات سينوغرافية متقدمة وأنظمة صوتية عالية الدقة، مع سقف متحرك يساهم في تحسين التوزيع الصوتي داخل القاعة.
كما يضم قاعة ثانية بطاقة استيعابية تصل إلى 250 مقعداً، مخصصة للعروض الصغيرة والأنشطة الفنية ذات الطابع التجريبي.
قدم عرض ملامح المشروع بوصفه بنية ثقافية حديثة تنسجم ورؤية" الرباط مدينة الأنوار، عاصمة المغرب الثقافية"إلى جانب الفضاءات الداخلية، يحتوي المسرح على مرافق موجهة للفنانين والفرق المشاركة، وغرف مخصصة للضيوف، إضافة إلى مطعم بانورامي يطل على مشهد مزدوج يجمع بين المعالم التاريخية للعاصمة والامتداد العمراني الحديث.
كما يضم فضاءً خارجياً على شكل مدرج مفتوح يتسع لنحو 7000 متفرج، مهيأ لاحتضان التظاهرات الكبرى والعروض الجماهيرية.
ويمثل افتتاح هذا الصرح، الذي تم بحضور الأميرات المغربيات: خديجة ومريم وحسناء، إلى جانب بريجيت ماكرون زوجة الرئيس الفرنسي، إلى جانب شخصيات رسمية وثقافية ودبلوماسية، تتويجاً لمسار طويل من الاستثمار في البنية التحتية الثقافية بالرباط التي اختيرت هذا العام عاصمة عالمية للكتاب، في سياق تحولات عمرانية متواصلة أعادت تشكيل علاقة المدينة بواجهتها النهرية.
ويأتي تشغيله في مرحلة تشهد فيها الرباط توسعاً في الفضاءات المخصصة للفنون الحية.
جدير بالذكر أن الحفل شهد عرض شريط مؤسساتي قدم ملامح المشروع بوصفه بنية ثقافية حديثة تنسجم مع رؤية" الرباط مدينة الأنوار، عاصمة المغرب الثقافية".
العرض أبرز أيضاً البعد الهندسي للمسرح، باعتباره من آخر المشاريع التي وقّعتها المهندسة المعمارية الراحلة زها حديد.
وتميز الحفل الافتتاحي، للمسرح الذي عُين مديراً فنياً له الفاعل الثقافي والفني إبراهيم المزند، ببرمجة موسيقية موسعة شارك فيها نحو مئة فنان مغربي، قدموا أعمالاً جمعت بين الموسيقى الكلاسيكية العالمية والتراث المغربي والأندلسي والموسيقى المعاصرة.
وقد توزعت الفقرات بين أداءات فردية وجماعية، شارك فيها كل السوبرانو سميرة القادري، ومروان بن عبد الله، وحليمة محمدي وإدريس الملومي، في صياغة عرض اعتمد على تعدد المدارس الفنية داخل السياق الزمني نفسه.
وشهدت الأمسية تقديم مقطوعات من أعمال بيوتر إليتش تشايكوفسكي وجورج بيزيه وجوزيبي فيردي، إلى جانب مقاطع من التراث الأندلسي وإبداعات موسيقية مغربية حديثة، في صيغة فنية اعتمدت على التداخل بين الريبرتوار العالمي والهوية المحلية، من دون فصل بين المرجعيات الموسيقية المختلفة داخل العرض الواحد.
كما عرف الحدث اندماجاً موسيقياً بين الأوركسترا الفيلهارمونية للمغرب والأوركسترا السيمفونية الملكية، بمشاركة 76 عازفاً و40 مغني كورال، تحت قيادة دينا بن سعيد، في تجربة جماعية عكست تطور البنية الأوركسترالية الوطنية وقدرتها على إنتاج عروض مركبة على مستوى عالٍ من التنظيم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك