الأستاذ المشارك بجامعة الإمارات العربية المتحدةفي كل أزمة كبرى تضرب المجتمعات، تعود الدولة إلى اختبار أدواتها الأساسية في البقاء والاستمرار، ويأتي التعليم في مقدمة هذه الأدوات.
وحين تتعذر الدراسة الحضورية بسبب جائحة، أو ظرف أمني، أو كارثة طبيعية، أو اضطراب عام يهدد انتظام الحياة اليومية، تتجه دول كثيرة إلى التعليم عن بُعد بوصفه حلًا سريعًا يضمن الحد الأدنى من استمرارية العملية التعليمية.
وقد بدا هذا الاتجاه، في ظاهره، منطقيًا ومقبولًا؛ فإغلاق المدارس والجامعات لا يعني جواز تعطيل التعليم بالكامل، والتكنولوجيا الحديثة تتيح، من الناحية الفنية، نقل جزء كبير من المحتوى الدراسي إلى الفضاء الرقمي.
غير أن ما بدأ، في كثير من التجارب، بوصفه استجابة اضطرارية للأزمات، تحول لاحقًا إلى خيار سياسي وتعليمي تسعى بعض الدول والمؤسسات إلى توسيع نطاقه، أحيانًا تحت عنوان التحديث، وأحيانًا بدعوى المرونة، وأحيانًا أخرى بدافع تقليل الكلفة.
وهنا يثور السؤال الجوهري: هل التعليم عن بُعد مجرد وسيلة مساندة نافعة في الظروف الاستثنائية، أم أنه يحمل في بنيته مخاطر عميقة قد تمس جوهر التعليم نفسه إذا جرى التوسع فيه بلا ضوابط؟الإنصاف يقتضي القول بأن للتعليم عن بُعد مزايا لا يجوز إنكارها.
فهو، أولًا، يضمن قدرا من الاستمرارية في اللحظات التي يصبح فيها الانتقال إلى المدارس والجامعات متعذرًا أو خطيرًا.
وهو، ثانيًا، يفتح أبواب التعلم أمام فئات كانت تجد صعوبة في الوصول إلى المؤسسات التعليمية، سواء لبعد المسافة أو لاعتبارات صحية أو اجتماعية.
كما يمنح الطالب مرونة أكبر في إدارة وقته، ويوفر إمكان العودة إلى المحاضرة المسجلة أكثر من مرة، ويعزز استخدام الوسائط الرقمية الحديثة التي باتت جزءًا من الحياة المهنية والمعرفية في العالم المعاصر.
ومن مزاياه أيضًا أنه قد يسهم في توسيع نطاق الاستفادة من الخبرات التعليمية، بحيث لا يبقى التعليم محصورًا في جدران مكان واحد أو زمن واحد.
لكن هذه المزايا، على أهميتها، لا ينبغي أن تحجب الوجه الآخر للمسألة.
فالتعليم عن بُعد ليس مجرد نقل محتوى من سبورة إلى شاشة، بل هو تغيير عميق في بنية العلاقة التعليمية ذاتها.
والتعليم، في جوهره، ليس عملية ميكانيكية لتسليم المعلومات واستقبالها، بل هو فعل تربوي وإنساني مركب، يقوم على التفاعل الحي، والانضباط، والملاحظة، والتقويم المستمر، وتكوين الشخصية، وبناء الوعي الجمعي، وغرس قيم الحوار والمسؤولية.
وهذه كلها عناصر تضعف، بدرجات متفاوتة، كلما انتقلنا من الفضاء الواقعي إلى الفضاء الافتراضي.
وأول المخاطر الكبرى في التعليم عن بُعد أنه يهدد بتقليص التعليم إلى محتوى معرفي مجرد، مع إضعاف أبعاده التربوية والاجتماعية.
فالمدرسة والجامعة ليستا فقط مكانين لتلقين الدروس، بل هما فضاءان لتكوين الإنسان، واختبار حضوره، وتدريبه على الالتزام، وتعليمه التفاعل مع الآخرين، واحترام الوقت، والاندماج في جماعة تعليمية لها إيقاعها وضوابطها.
أما حين يتحول التعلم إلى جلوس منفرد أمام جهاز، فإن الطالب قد يفقد شيئًا فشيئًا خبرة الانتماء إلى مجتمع تعليمي حقيقي، ويصبح أكثر عرضة للعزلة والفتور وتراجع الدافعية.
أما الخطر الثاني، وهو من أخطرها أثرًا، فيتمثل في تعميق الفوارق الاجتماعية.
فالتعليم عن بُعد يفترض، من حيث الأصل، توافر بنية تقنية متكافئة: جهاز مناسب، واتصال مستقر بالإنترنت، وبيئة منزلية هادئة، وقدرة على المتابعة الرقمية.
لكن الواقع يقول إن هذه الشروط ليست متاحة على قدم المساواة للجميع.
وهكذا يتحول هذا النمط من التعليم، في بعض الحالات، من وسيلة لتحقيق العدالة التعليمية إلى أداة لتكريس التفاوت.
فالطالب الذي يملك الأدوات والبيئة المناسبة يتقدم، والذي يفتقدها يتأخر، لا لضعف في قدراته، بل لخلل في شروط الوصول إلى التعلم.
ثم تأتي أزمة التقويم والنزاهة الأكاديمية، وهي أزمة بنيوية لا شكلية.
فالاختبار عن بُعد، إذا صيغ بعقلية الامتحان التقليدي نفسه، يصبح أكثر عرضة للغش والتعاون غير المشروع والاستعانة بالمصادر من غير ضابط.
والمشكلة هنا لا تقف عند حدود مخالفة فردية، بل تمس الثقة في مخرجات التعليم ذاتها.
فإذا لم تعد النتائج تعكس مستوى التحصيل الحقيقي، فإن المؤسسة التعليمية تفقد جزءًا من مصداقيتها، ويصبح النجاح، في بعض الحالات، نتيجة مهارة في تجاوز النظام أكثر من كونه ثمرة تعلم فعلي.
ويبرز أيضًا تحدٍ لا يمكن تجاهله، وهو أن هناك مجالات علمية ومهنية لا ينهض التعليم عن بُعد فيها مقام الحضور المباشر إلا بقدر محدود.
فكيف يمكن للتدريب الطبي، أو التجارب المخبرية، أو المهارات الهندسية، أو الفنون التطبيقية، أو التدريب المهني الدقيق، أن تكتمل عبر الشاشة وحدها؟ إن من الخطأ الكبير أن يُنظر إلى التعليم عن بُعد باعتباره قالبًا صالحًا لكل التخصصات والمراحل على السواء.
فالفرق هائل بين محاضرة نظرية في مقرر إنساني، وبين تدريب عملي يحتاج إلى معمل أو ورشة أو احتكاك مباشر بالحالة الواقعية.
ولا يقل عن ذلك خطورة ما يتركه هذا النمط من آثار نفسية وصحية.
فالساعات الطويلة أمام الشاشات تستنزف التركيز، وتضاعف التشتت، وتضعف الحضور الذهني والتوازن النفسي.
وإذا كان البالغ قد يستطيع، بدرجة ما، ضبط إيقاعه الرقمي، فإن الأمر يكون أشد تعقيدًا لدى الأطفال وصغار الطلبة، حيث يتداخل التعليم بالترفيه، وتضعف القدرة على الفصل بينهما، ويزداد اعتماد الطفل على رقابة الأسرة، بما يحمّل البيت أعباء تربوية وتنظيمية لم يكن مهيأً دائمًا لتحملها.
ومن الزاوية الأعمق، يثور تخوف مشروع من أن يتحول التعليم عن بُعد، تحت ضغط الأزمات أو الاقتصاد أو الإعجاب غير النقدي بالتكنولوجيا، إلى مدخل لإضعاف المؤسسة التعليمية بوصفها فضاءً عامًا جامعًا.
فالجامعة، مثلًا، ليست فقط منصة لإعطاء المحاضرات، بل هي أيضًا بيئة فكرية وحوارية وثقافية، تتشكل فيها الشخصية العلمية، وتُبنى فيها العلاقات الأكاديمية، وتنضج فيها الخبرة عبر النقاش والمشاركة والمواجهة الحية للأسئلة.
وإذا أفرغنا هذه المؤسسة من بعدها الحي، فإننا نكون قد حافظنا على شكل التعليم، لكننا قد نكون قد أضعفنا روحه.
إن الدفاع عن التعليم الحضوري لا يعني رفض التكنولوجيا، كما أن الاعتراف بمزايا التعليم عن بُعد لا يبرر تحويله إلى بديل شامل.
الرأي الرشيد هو أن يُنظر إليه بوصفه أداة داعمة، وحلًا ضروريًا في الظروف الاستثنائية، وخيارًا تكميليًا في بعض البرامج والمساقات، لا بوصفه وصفة جاهزة تصلح لكل زمان ومكان.
فالمشكلة ليست في وجود التعليم عن بُعد، بل في التوسع فيه من غير فلسفة تربوية واضحة، ومن غير بنية عادلة، ومن غير إعادة تصميم حقيقية للمناهج وأساليب التقييم والتفاعل.
لهذا، فإن المطلوب من صانع القرار التربوي اليوم ليس أن ينحاز انحيازًا أعمى إلى الحضور الكامل أو إلى الرقمنة الكاملة، بل أن يبني نموذجًا متوازنًا، يميز بين ما هو استثنائي وما هو أصيل، وبين ما يمكن أن تنجح فيه الشاشة، وما لا ينجح إلا في القاعة والمعمل والتفاعل الإنساني المباشر.
فالتعليم عن بُعد قد يكون طوق نجاة في الأزمات، لكنه يصبح خطرًا حقيقيًا إذا جرى تقديمه، بعد زوال الأزمة، على أنه البديل الكامل عن التعليم الحي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك