في ظل التصعيد المتسارع بين إيران من جهة، والتحالف الأمريكي الإسرائيلي من جهة أخرى، تبدو مفاوضات إسلام أباد أقرب إلى استراحة تكتيكية منها إلى مسار جاد نحو التسوية.
في ظاهرها، نافذة دبلوماسية وسط دخان المعارك، لكن في جوهرها قد لا تتجاوز كونها إعادة تموضع سياسي وعسكري تتيح للأطراف التقاط الأنفاس قبل جولة أكثر حدة.
فهل المفاوضات قادرة على إنهاء الحرب، أم أنها جزء من إدارة الصراع لا حله.
المعطيات الميدانية والسياسية تعزز هذا التصور.
تصريحات بنيامين نتنياهو حول جاهزية جيشه واستمرار الإصبع على الزناد، ومع الإخفاق الواضح للجولة الأولى من المحادثات، تظهر أن المسار التفاوضي يفتقر إلى الإرادة الحقيقية.
ما يجري أقرب إلى مسرح سياسي محكم، تستخدم فيه الدبلوماسية كأداة ضغط موازية، لا كبديل عن القوة.
الوساطة الباكستانية، رغم جديتها اصطدمت بجدار الخلافات الجوهرية.
العقدة الأساسية لا تزال تدور حول البرنامج النووي الإيراني وحرية الملاحة في مضيق هرمز.
واشنطن طرحت مقاربة تقوم على تقليص جذري لقدرات إيران الاستراتيجية، وهو ما قرأته طهران باعتباره محاولة لفرض استسلام مقنع.
لذلك جاء الرفض الإيراني الحاسم، المدعوم داخلياً برأي عام يرى في أي تنازل مساساً بالأمن القومي.
هكذا يتحول التفاوض إلى مساحة لإعادة تأكيد المواقف، لا لتقريبها.
انتقل التصعيد إلى ساحة موازية: البحر.
مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل ورقة ضغط استراتيجية متبادلة.
إيران تلوح بإغلاقه وتفرض قواعد اشتباك صارمة، فيما ترد أمريكا بحصار بحري فعلي وإجراءات تصعيدية.
هذا التحول يعكس حقيقة أساسية: أن وقف إطلاق النار لم ينه الصراع، بل أعاد تشكيله في صورة أكثر تعقيداً، حيث يمتزج العسكري بالاقتصادي في معادلة ضغط متبادل.
تبدو الهدنة أقرب إلى ضرورة عملياتية منها إلى إنجاز دبلوماسي.
الضربات الجوية المكثفة، واستهداف المنشآت الحيوية، والاغتيالات النوعية، كلها استنزفت أطراف الصراع، وفرضت حاجة مؤقتة لإعادة التقييم وإعادة الانتشار.
من هنا يمكن قراءة التهدئة باعتبارها مرحلة ضمن استراتيجية أوسع، لا تحولاً في جوهرها.
العامل الأكثر حسماً يظل في تل أبيب.
الرؤية الإسرائيلية، كما تعكسها تصريحات نتنياهو، لا ترى في التفاوض غاية، بل وسيلة.
إما أن يؤدي إلى تفكيك القدرات الإيرانية، أو يستبدل سريعاً بالعمل العسكري.
هذا الموقف يختزل جوهر الأزمة: غياب أرضية مشتركة تسمح بقيام تسوية مستقرة.
تكشف البنية العسكرية الإيرانية عن أحد أسباب تعقيد المشهد.
العقيدة القتالية القائمة على اللامركزية تمنح طهران قدرة على امتصاص الضربات والاستمرار، حتى في ظل خسائر قيادية ومادية كبيرة.
ورغم نجاح الضربات الجوية في إلحاق أضرار ملموسة، فإنها لم تسقط القدرة على الردع.
الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي تواصلت بعد الضربات تؤكد أن ميزان القوة لم يحسم بعد.
اقتصادياً، يشكل الحصار البحري ضغطاً حاداً على إيران، لكنه في الوقت ذاته يفتح باباً لابتزاز مضاد عبر ورقة المضيق.
هنا تتحول المعركة إلى اختبار إرادات: من يتحمل كلفة الاستنزاف أطول؟ ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيره على الاقتصاد العالمي قد يعيد تشكيل الحسابات، ويضع ضغوطاً غير مباشرة على صانعي القرار في واشنطن.
داخلياً تشير المؤشرات إلى تماسك في الجبهة الإيرانية.
التصور الشعبي الذي يميل إلى اعتبار الصمود شكلاً من أشكال النصر يمنح النظام هامشاً للاستمرار رغم الخسائر.
هذه المعادلة، التي تفصل بين المعاناة الاقتصادية والتقييم العسكري، تمثل أحد عناصر القوة غير التقليدية في الحالة الإيرانية.
لا تبدو مفاوضات إسلام أباد نقطة تحول بقدر ما هي فصل من فصول إدارة صراع طويل.
جميع الأطراف لا تزال تتمسك بأدوات القوة، وتتعامل مع التهدئة كمرحلة مؤقتة.
المنطقة، وخصوصاً الخليج، ستبقى رهينة هذا التوازن الهش، حيث يمكن لأي لحظة أن تعيد إشعال المواجهة.
نحن، إذن أمام حرب مفتوحة على الزمن، تدار بمزيج من النار والدبلوماسية، وتحسم ليس فقط في ساحات القتال، بل أيضاً من خلال قدرة كل طرف على الصمود وإعادة تعريف النصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك