قصة خروج بني إسرائيل من مصر تعتبر واحدة من أبرز الأحداث المثيرة للجدل في السرد الديني والتاريخي والثقافي، خصوصاً ما يتعلق بسؤال من أكثر الأسئلة جدلاً وغموضاً في الدوائر التاريخية والدينية: من هو فرعون موسى؟ وللإجابة عن هذا السؤال المحيّر أصدرت الدار المصرية اللبنانية حديثاً كتاب «موسى» عليه السلام.
وخروج بني إسرائيل من مصر لوزير الآثار الأسبق، أستاذ الآثار المصرية القديمة الدكتور ممدوح محمد الدماطي.
لا يكتفي الكتاب بالبحث عن إجابة السؤال السابق فحسب، بل يسعى للإجابة عن أسئلة أخرى تتولد منه، مثل: هل كان هذا الفرعون ملكاً مصرياً من الأسرات المحلية، أم لا؟ وما الظروف الحقيقية التي رافقت خروج بني إسرائيل من مصر؟ وما مسار رحلة الخروج؟ وغيرها من الأسئلة التي شغلت الباحثين، وحتى الأفراد على مر العصور.
وزير الآثار الأسبق يناقش القضية الأخطر في كتابه «موسى»وعن وسيلته لمعالجة هذه الأسئلة المثيرة يقول المؤلف في المقدمة: «من خلال فحص السياق التاريخي، والأدلة الأثرية ذات الصلة، والنصوص الدينية الغنية، ستستكشف هوية فرعون الذي عارض موسى عليه السلام وظروف الخروج من عدة زوايا.
سنتناول فترة تاريخية مصرية يُعتقد أن هذه الأحداث قد حدثت خلالها.
سنبحث أيضاً في أهمية لقب فرعون، وكيف أثّر في فهمنا لملوكية مصر القديمة، وفي النهاية يظل الخروج، سواء تم رؤيته كحدث تاريخي أو كاستعارة دينية، مصدر إلهام وتحدٍ وجذب».
وسعى «الدماطي» إلى تقديم مادة علمية وجهد بحثي عميقين، مستنداً إلى خبرة أكاديمية نابعة من تخصصه في مجال الآثار والحضارة المصرية القديمة، ومعرفة عميقة بتحليل النصوص القديمة وفهم الدلالات الثقافية والتاريخية المرتبطة بالأحداث، فضلاً عن دراسة ميدانية مستمدة من معرفته الدقيقة باللغتين المصرية القديمة والقبطية، وقد ظهر ذلك بوضوح في مقارناته بين النصوص المختلفة بهدف تقديم رؤية علمية رصينة مدعومة بالأدلة التاريخية واللغوية، وهو ما يُثري محتوى الكتاب ويعزز مصداقيته العلمية.
ويشير المؤلف إلى أن قصة خروج بني إسرائيل من مصر أثْرت خيال الملايين في جميع أنحاء العالم، وأثّرت بعمق في التقاليد اليهودية والمسيحية والإسلامية، وأن شخصية فرعون، الذي وقف ضد موسى عليه السلام، تعد محوراً رئيسياً في هذه القصة الدرامية والتحولية.
ومع ذلك، ورغم أهميته، فإن هوية هذا الفرعون تبقى واحداً من أكثر الأسئلة جدلاً وغموضاً في الدوائر التاريخية والدينية.
ويضم كتاب «موسى» أربعة فصول: الأول بعنوان «بدايات بني إسرائيل في مصر»، ويتناول دخول يوسف ويعقوب عليهما السلام إلى مصر، والعصر الذي عاشا فيه وتأثير الأسماء المصرية القديمة.
ويدور الفصل الثاني -وعنوانه: «موسى: من المهد إلى الوحي»- حول الطفل موسى ونجاته من فرعون الذي كان يقتل أطفال بني إسرائيل من الذكور بمجرد ولادتهم.
أما الفصل الثالث فجاء بعنوان «دعوة موسى لفرعون: المواجهة والاستكبار»، ويتناول احتفال فرعون بيوم الزينة.
بينما يحمل الفصل الرابع عنوان «الخروج العظيم من شق البحر إلى التيه»، وفيه يقدم المؤلف أدلته على شخصية فرعون موسى، ومسار خروج بني إسرائيل من مصر، ومطاردة فرعون لموسى ومن معه.
ويشير المؤلف إلى أن الكتاب هو جهد سنوات طويلة من العمل الدؤوب والبحث العلمي، حيث شرع في تأليفه قبل قرابة خمسة عشر عاماً، إلا أن ظروفاً متعددة حالت دون إصداره في حينه، من بين تلك الظروف -كما يقول المؤلف في مقدمته- «الانشغال بالمهام الوظيفية العامة، بالإضافة إلى التوجس من الجدل الذي قد يثار حول محتواه».
ويضيف: «غير أن الأمور تغيرت عندما كلفني الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، بوضع رؤية واضحة لمسار خروج موسى عليه السلام، وتوضيح موقع التجلي، بما يتّفق مع المشروع القومي الذي يرعاه الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويشرف عليه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء.
هذا التكليف دفعني إلى اتخاذ القرار الحاسم بإكمال الكتاب الذي كنت قد جمعت مادته العلمية طوال 15 عاماً».
وربما يكون التوجس من الجدل الذي قد يثار حول محتوى الكتاب هو ما دفع المؤلف إلى التأكيد على أن كتابه «لا ينطلق من أي رؤية متعصبة، ولا يتبنى توجهات ذات أغراض خفية تسعى لتشويه الحضارة المصرية العريقة أو الإساءة إليها، فالغاية من هذا العمل البحثي هي تقديم دراسة علمية منهجية رصينة، تعتمد على تحليل النصوص الدينية، ومناقشة المعطيات التاريخية والأثرية، بعيداً تماماً عن أي مزاعم أو افتراءات تروج لها كيانات أو جهات ذات أهداف أيديولوجية كالصهيونية العالمية، التي كثيراً ما ارتبطت محاولاتها بتاريخ مصر القديمة بأساطير وأوهام لا سند علمي لها»، مؤكداً أن الكتاب لا يتبنى رواية سياسية أو دينية بعينها.
ويضم الكتاب -الذي جاء في 160 صفحة من القطع المتوسط- ملحقاً للصور والخرائط الملونة، التي توضح خط سير عودة موسى عليه السلام وأهله من مدين إلى مصر، مروراً بالوادي المقدس طوى، ثم خروجه بعد مواجهة فرعون ببني إسرائيل، حتى عبور البحر والخروج إلى سيناء، ومنطقة شق البحر لعبور موسى ومن معه، وغير ذلك من المعالم التي تتعلق برحلة خروج بني إسرائيل من مصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك