اكد الدكتور عبدالقادر سليم مدير عام الدعوه بمديريه أوقاف كفرالشيخ أن أرض سيناء الحبيبة هي الأرض المباركة وموضع التجلى الأعظمبداء مدير عام الدعوه بقوله الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على البشير النذير السراج المنير الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم، أما بعد، مما لا شك فيه أن أرض سيناء الحبيبة هي الأرض المباركة وموضع التجلى الأعظم، وهي التي تقع في الشمال الشرقي لمصر، وهي الحد الفاصل بين مصر وجاراتها السعودية وفلسطين، وهي تقع بين قارتين: آسيا وأفريقيا، وتقع بين بحرين: الأحمر والمتوسط، وتبلغ مساحتها حوالي 60 ألف كيلو متر يعني 6% من مساحة مصر الإجمالية، ويسكنها ما يقارب المليون ونصف من البشر.
ولأهميتها عند المسلمين وغير المسلمين، وكبر حجمها وتاريخها، تكثر حولها المؤامرات والمواجهات، فسيناء سد وحد، وفاصل ومانع، وعقبة في وجوه الأعداء قديمًا وحديثًا، سيناء تاريخ وحضارة، وجمال، وجلال، ومقدسات.
وسيناء ليست مجرد إسم جغرافي لمساحة من الأرض نعرفها بحدودها ومساحتها وتضاريسها ومناخها ومواردها الطبيعية وسكانها، مثل مناطق كثيرة هنا وهناك على اتساع الدنيا وإنما هي قطعة حية من التاريخ والأسطورة وقصص الأديان السماوية.
فهذه الأرض الساحرة الباهرة التي تشكل ما يقرب من ستة بالمائة من إجمالي مساحة مصر، ترتبط بالتاريخ أكثر مما تنتمي إلى الجغرافيا؛ تحكى كل قطعة فيها قصصًا وسرديات تتعلق بمصائر البشر أكثر من عدد آنات الزمن الذي يمضي لتدوس عجلته فوق السنين والقرون؛ تحكى عن الأسطورة والتاريخ، والدين والحرب والبطولة، والعادات والتقاليد، وحياة الناس ومشاعرهم ومتاعبهم؛ أكثر مما تهتم بما يخرج من أحشائها من معادن، وأحجار كريمة، بترول وغاز وفحم… سيناء كل هذا وأكثر.
أضاف ان أهمية ومكانة هذه الأرض المباركة في ضوء الكتاب والسنة من خلال المقاصد التالية:المقصد الأول: سيناء أرض شهود الوحي الإلهي وحوار الله مع نبيه موسى عليه السلام، وإن ذكر الله عزّ وجل لسيناء في القرآن الكريم فيه تعظيم وتشريف لها وما يزيدها تشريفاً أكثر أن الله كلم سيدنا موسى عليه السلام على هذه الأرض ففيها “جبل الطور” فمن بين جبال الكرة الأرضية ينفرد من بينها جبل الطور ليشهد الوحي الإلهي، وأول حوار دار بين الله تعالى ونبيه موسى عليه السلام قال تعالى: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا (164) } النساء.
فمنطقة الوحي المبارك في جبل الطور هي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(30) القصص.
وهناك قَرَّب الله تعالى نبيه موسى عليه السلام، فكان بالجانب الأيمن فقال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)}مريم، والمشهور عند أكثر العلماء أن الله سبحانه وتعالى ناجى موسى عليه السلام عند جبل الطور المعروف بسيناء.
المقصد الثاني: سيناء أرض مقدسة وبقعة مباركة، ووصفها الله بالبقعة المباركة فقال تعالى: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ }، وفى موضع آخر يصفها رب العزة جل وعلا بالوادي المقدس أي الذى تقدس.
قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى(12) طه.
المقصد الثالث: شهدت نزول الألواح على سيدنا موسى عليه السلام:قال تعالى: { وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (143) قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ (144) وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ (145)} الأعراف.
فقد أقام سيدنا موسى عليه السلام في طور سيناء أربعين يوماً صائماً، قائماً، مناجياً ربه، وبعد تمام الأربعين، أنزل الله عليه الكتاب المقدس التوراة، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ (44) المائدة.
كان هذا الكتاب على ألواحٍ من زبرجد أخضر من ألواح الجنة، وفيها أحكام الله سبحانه، التي تنظمّ أمور البشر دينهم، ودنياهم.
المقصد الرابع: أرض سيناء شهدت العهود والمواثيق التي أخذها الله على بني إسرائيل:وشهد جبل الطور إعطاء العهد والميثاق على بني إسرائيل، وفيه رفع الله جبل الطور فوق رؤوسهم فسجدوا لله تعالى رعبا وهم ينظرون إلى الجبل المرفوع فوقهم كأنه ظلة، وفى ذلك الموقف الرهيب أخذ الله عليهم العهد والميثاق، ويقول الله تعالى يصف ذلك الحدث قال تعالى: وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) الأعراف.
المقصد الخامس: نزول الوصايا العشر على سيدنا موسى عليه السلام، وعلى أرض سيناء تلقى موسى علية السلام الوصايا العشر من ربه سبحانه وتعالى، والقاضية بوحدانية الله عز وجل والجامعة لدروس الآداب الدينية.
قال تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ (154) وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ (155) أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ (156) أَوۡ تَقُولُواْ لَوۡ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَآءَكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِي ٱلَّذِينَ يَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصۡدِفُونَ (157) سورة الأنعام.
وكانت هذه الوصايا العشر في الآيات السابقة من حجج الله الأدبية على حقيقة دينه القويم، ووجوب اتباع صراطه المستقيم، وقد نزلت هذه الوصايا بأرض سيناء تلكم الأرض المباركة.
المقصد السادس: قسم الله تعالى بأرض سيناء، فقد أقسم الله تعالى بها في القرآن الكريم، والله تعالى لا يقسم إلا بالعظيم لأن العظيم لا يقسم إلا بالعظيم فهذه الأماكن لها من المكانة العظيمة عند الله تعالى، فقال تعالى: وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ (3)] التين.
وطور سنين هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وهو جبل الطور في سيناء.
المقصد السابع: سيناء أرض الخير والنماء، فقدجعل الله تعالى فيها سرا وبركة اقتصادية يمكن أن نلمحها من قوله تعالى: وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ (17) وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ (18) فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ (19) المؤمنون.
فهنا يتحدث الله تعالى عن خلق السماوات السبع والبشر وإنزال الماء من السماء وجنات النخيل والأعناب، وبعدها يقول تعالى: ” وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين”.
أي جعل شجرة الزيتون التي تنبت في جبل الطور في الوادي المقدس من نعم الله تعالى على الخلق شأن النعم التي سبقتها في الآيات وجعل نعمة هذه الشجرة مستمرة متجددة شأن المطر والجنات والبساتين والسماوات السبع وجاء التعبير بالمضارع فقال: ” وشجرة تخرج ” ” تنبت بالدهن ”.
وروى الترمذي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة.
رواه أحمد.
فهذا الخير الإلهي مستمد من ذلك الوادي المقدس الذي شهد وحده كلام الله تعالى لأحد الأنبياء، وأن هذا الخير وضعه الله لكفاية البشرية.
المقصد الثامن: تفجر فيها عيون الماء ونزول المن والسلوى، وفي أرض سيناء ضرب موسى الأحجار لتنفجر منها ينابيع المياه (عيون موسى) الاحدى عشر بعدد أسباط بنى إسرائيل حيث عرف كل قوم مشربه والتي هي موجودة حتى الأن تشهد بمعجزة الخالق عز وجل.
قال تعالى: وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ (160) الأعراف.
وعلى أرض سيناء أنزل الله على موسى وقومه من بنى إسرائيل المن والسلوى ولكن تجبر بنو إسرائيل وعصوا موسى فغضب الله عليهم وكتب عليهم التيه بين الجبال وفى أودية سيناء أربعين عاما جزاء ما اقترفوه كفرا وعصيانا، وكتب الله عليهم المذلة والمسكنة كما في قوله عز وجل: قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين(26) المائدة.
المقصد التاسع: أنبياء الله على أرض سيناء:لقد شرف الله تعالي أرض سيناء فجعلها معبراً للأنبياء (إبراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف وموسي وهارون وعيسي وأمه البتول مريم عليهم الصلاة والسلام.
)أبو الأنبياء الخليل عليه السلام، فأبو الانبياء إبراهيم الخليل عليه السلام والذى شق طريقه خلالها هو وزوجته السيدة ساره إلى مصر قادما من بلاد الرافدين متجها إلى أرض كنعان بفلسطين حيث اشتد القحط بتلك البلاد وذهب إلى مصر متخذا سيناء طريقاً حيث أقام مدة من الزمن في مصر وعاد ثانية إلى فلسطين، عبر سيناء ومعه زوجتيه ساره وهاجر “أم إسماعيل” الأميرة المصرية الأسيرة التي هي من مدينة الفرما من قبيلة أم العرب بشمال سيناء والتي أهداها إليهما فرعون مصر.
كما وطأ أرضها كل من سيدنا يوسف الصديق وأبيه سيدنا يعقوب عليهما السلام، واخواته أسباط بنى إسرائيل حيث كان في هذه المنطقة عبورهم وذهابهم ومجيئهم ورواحهم، حيث تم لقاء سيدنا يوسف بأبيه سيدنا يعقوب، فعلى أرضها التأم شملهما والتقيا بعد سنوات من العذاب والغربة والحرمان.
وعلى أرض العريش فصلت العير ومن أرضها انطلقت رائحة قميص يوسف عليه السلام حت وصل إلى فلسطين ليشمه يعقوب علية السلام ويقول قولته المأثورة إني لأجد رائحة يوسف وهذا ما جاء في تأويل قوله تعالى: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ.
يوسفوتفسيرها أنه َلَمَّا فَصَلَتْ عِير أي عندما وصلت قافلة بَنِي يَعْقُوب الى مدينة العريش قادمة مِنْ عِنْد يُوسُف بمصر مُتَوَجِّهَةً إِلَى أرض فلسطين عبر سيناء وكان قميص يوسف بحوزتها فراحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فعند ذلك قال “إني لأجد” أي أشم رائحة يوسف.
لقد انطلقت هذه المعجزة من أرض العريش إلى أرض فلسطين حيث كان يقيم نبي الله يعقوب.
وسيدنا موسى الكليم عليه السلام، لجأ إليها، وكان لقاؤه مع ربه عز وجل، حيث أمره الله عز وجل بتلقي رسالته للإنسانية في تلك الأرض التي باركها الله عز وجل، حيث تجلت القدرة الإلهية، وعندما عاد سيدنا موسى ثانية بقومه من بنى إسرائيل هرباً من فرعون، ساروا متجهين إلى سيناء، حيث وجدوا البحر الأحمر في مواجهتهم ومن خلفهم لحقهم فرعون وجنوده، فحدث المعجزة على أرضها حينما أمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه ليجد الطريق أمامه يابسا ممهدا له ومن معه ثم يعود البحر مرة أخرى إلى حالته الأولى فيغرق فرعون وجنوده وينجو موسى وقومه بإذن الله، حيث حدثت المعجزات الإلهية.
ومن شطآنها انطلق سيدنا موسى عليه السلام للقاء العبد الصالح سيدنا الخضر عليه السلام، والذى علمة مالم يحط به خبرا، وهذا ما ورد في قوله عز وجل: وإِذ ْقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَاأَبْرَحُ حَتَّى ٰأَبْلُغ َمَجْمَعَ الْبَحْرَيْن ِأَوْأَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْر سَرَبًا (61) الكهف.
وكذا أيضاً السيدة مريم وابنها سيدنا عيسى عليهما السلام، فقد جاء المسيح عليه السلام مولودًا بمعجزة ربانية من السيدة مريم العذراء في بيت لحم من أرض فلسطين التي كانت آنذاك تحت حكم الإمبراطورية الرومانية.
وقد اضطرت السيدة مريم للهرب بطفلها من بطش الرومان، ووشاية اليهود إلى مصر؛ وكانت رحلة الهروب إلى مصر عبر سيناء.
وصلى حضرة النبي – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بها في رحلة الإسراء: عن أنس بن مالك – رضي الله عنه- أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – قال: ” أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل خطوها عند منتهى طرفها فركبت ومعي جبريل -عليه السلام – فسرت فقال انزل فصل.
ففعلت فقال أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر، ثم قال انزل فصل.
فصليت فقال أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله عز وجل موسى عليه “.
أشار الدكتور عبدالقادر سليم مدير عام الدعوه بأوقاف كفرالشيخ إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أوصى بأهلها:فعن أم سلمة – رضي الله عنها- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أوصى عند وفاته، فقال: ” الله الله في قبط مصر؛ فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعواناً في سبيل الله “.
وعن عبد الله بن يزيد وعمرو بن حريث وغيرهما رضي الله عنهم، قالوا: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ” إنكم ستقدمون على قوم جعدة رءوسهم فاستوصوا بهم خيرًا؟ فإنهم قوة لكم، وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله “.
وعن أبي ذر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: ” ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط؛ فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذمة ورحما “.
فأما الرحم: فإن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام من القبط من قرية نحو الفرما ( بورسعيد ) يقال لها: أم العرب.
وأما الذمة: فإن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، تسرى من القبط مارية أم إبراهيم ابن رسول الله – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، وهي من قرية في الصعيد، فصارت العرب كافة من مصر، بأمهم هاجر؛ لأنها أم إسماعيل صلى الله عليه وسلم، وهو أبو العرب.
قد رحبت سيناء وأهلها بالفتح الإسلامي لها، واستقبلت الصحابة الكرام بقيادة عمرو بن العاص، الذي دخل مصر فاتحا، وقد أتاه كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ففتحه، فإذا فيه: إذا كنت لم تدخل مصر فارجع، وإذا كنت قد دخلتها فامض لوجهك واستعن بالله.
وهنا سأل عمرو أصحابه عن المكان الذي هم فيه، فأجابوا أننا في أرض العريش وأنهم قادمون على رفح، فقال عمرو: هذا المساء عيد.
وأقاموا ليلتهم في هذا المكان، فسمي هذا المكان من ساعتها: المساعيد.
فهذه سيناء المباركة التي مشى فيها الأنبياء، وتجلى عليها رب الأرض والسماء، وفيها الخير والبركة والنماء،والمقصد العاشر: سيناء أرض التضحية والفداء،فإن ما تميزت به سيناء من خير وبركة، وموقع جغرافي متميز، جعلها محط أنظار الناس جميعا، حتى طمع فيها الأعداء، فكم ضحى المصريون من أجلها بالدماء وكم تناثرت منهم الأشلاء، وما زال العدو يتربص بها الدوائر بغض النظر عن الخسائر.
فاليهود يرون فيها كمال حلمهم الموهوم في إقامة الكيان المزعوم من النيل إلى الفرات، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف هاجموا سيناء واحتلوها في عام سبعة وستين من القرن الماضي، لكن الله تعالى سلط عليهم شعب مصر وجنودها الأبطال، فأذاقوهم سوء العذاب وطردوهم شر طردة، بعد احتلالها بخمسة أعوام من احتلالها.
حيث قدم المصريون الغالي والنفيس من أجل إعادة الأرض، وتطهيرها من شرهم وغدرهم.
حيث دارت على أرض سيناء في العاشر من رمضان السادس من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين معركة التحرير الفاصلة التي استطاع المصريون من خلالها تحطيم أساطير اليهود التي زعموا فيها أنهم الجيش الذي لا يُغلَب، وأن حصونهم لا تهدم.
في ساعات قليلة، عبرت القوات المصرية قناة السويس بنجاح وحطمت حصون خط بارليف وتوغلت داخل سيناء، تعلن صيحات التكبير التي زلزلت العدو وأرهبته، ففر أمام قوة الإيمان وروعة الانتصار.
لقد قدم المصريون في هذه المعركة أمثلة رائعة في البطولة والفداء على أرض سيناء، حيث سلكوا كل الممرات، ونوعوا في الهجمات، ودمروا الدبابات، واصطادوا الطائرات، وأذاقوا العدو الويلات.
فحق لكل مصري أن يفخر بهذه البقعة من وطنه، وأن يحافظ على هذه الأرض بكل ما يستطيع من قوة.
عقب الدكتور عبدالقادر سليم، واجبنا تجاه سيناء المباركة، وشبه جزيرة سيناء تحتوي على أقدس المقدسات، فمن جانب الطور الأيمن نودي موسى وعليه تلقى الألواح، وبها صخرة العهد، وسيناء هي أرض التيه، ما يجعل أطماع اليهود تحوم في فلكها، وقد تربى أبناؤهم على عقيدة أن جزيرة سيناء هي قلب مملكتهم الموعودة.
وأما عن أطماع اليهود في سيناء والتي يربطونها بالمعتقدات اليهودية والتاريخ الإسرائيلي فيرى بعض المؤرخين أن قصص التلمود ونبؤات الأقدمين وأسطورة الشعب المختار ليست في الواقع إلا وسيلة من وسائل التعبئة والإقناع يستخدمها القادة والموجهون الصهاينة لدفع الشباب اليهودي نحو هذه الأهداف التوسعية الاستعمارية، لذلك يجب علينا الدفاع عن أرض سيناء الغالية وأن نحافظ على أمن الوطن واستقراره.
واجبنا تجاه الأرض المباركة سيناء يتمثل في أمرين، الأول: البناء.
والثاني: الحماية.
أما البناء فيقصد به التنمية بكل أشكالها وصورها، والاستفادة من أرضها وموقعها زراعيا وصناعيا وتجاريا.
وأما الحماية فيجب على كل مصري أن يبذل الغالي والنفيس من أجل صيانتها وعدم تمكين العدو منها.
ونسأل الله أن يحفظ مصر وأهلها وأن يجعلها في أمانه وضمانه واحة للأمن والأمان والاستقرار، كما نسأله جل وعلا بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها أن لا يجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم آمين بجاه السند الأمين.
هي أول جريدة مسائية في جمهورية مصر العربية تأسست عام 1956م, و هي أحدى إصدارات مؤسسة دار الجمهورية للصحافة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك