سلّط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الضوء مجددًا على ما وصفه بوجود انقسامات داخل دوائر صنع القرار في إيران، في أعقاب الحرب الأخيرة التي أسفرت عن مقتل عدد من القيادات البارزة، ما أفسح المجال أمام صعود جيل جديد يتولى إدارة مفاصل السلطة.
وبينما تزايدت التساؤلات حول طبيعة هذا التحول، تشير تقارير دولية إلى إعادة تشكيل واضحة في هيكل الحكم داخل الجمهورية الإسلامية.
وفي السياق، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا مطولًا استند إلى شهادات عدد من المسؤولين الإيرانيين الحاليين والسابقين، إلى جانب شخصيات مطلعة على آليات عمل النظام من الداخل، وجميعهم تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم.
ووفقًا للتقرير، فإن السلطة الفعلية باتت تتركز بشكل متزايد في يد الحرس الثوري، الذي يُعد التيار الأكثر تشددًا وتنظيمًا، في مقابل تراجع تدريجي لنفوذ المؤسسة الدينية التقليدية.
ونقلت الصحيفة عن عبدالرضا داواري، المستشار السابق للرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، قوله إن مجتبى خامنئي يدير البلاد بأسلوب يشبه إدارة مجلس إدارة شركة، حيث يعتمد على مجموعة من كبار قادة الحرس الثوري الذين يشكلون ما يشبه “مجلسًا قياديًا” يتخذ القرارات بشكل جماعي في ملفات الأمن والحرب والسياسة الخارجية.
ويُعرف مجتبى خامنئي بشخصيته الغامضة، إذ نادرًا ما يظهر علنًا أو يدلي بتصريحات، في حين تشير التقديرات إلى أن مجموعة من القادة المخضرمين داخل الحرس الثوري، ممن يمتلكون خبرات قتالية واسعة، باتوا يمسكون بزمام القرار في القضايا الاستراتيجية، وهو ما يُعد تطورًا طبيعيًا نسبيًا في سياق حالة الحرب.
ورغم إصابة خامنئي البالغة، أفاد مسؤولون مطلعون بأنه لا يزال محتفظًا بوعيه وقدرته على متابعة مجريات الأمور.
وبحسب التقرير، خضع خامنئي لعدة عمليات جراحية، ويستعد لتركيب طرف صناعي، إضافة إلى إصابات في اليد والوجه أثّرت على قدرته على الكلام، ما يفسر غيابه عن الظهور العلني واكتفائه بإصدار بيانات مكتوبة تُبث عبر وسائل الإعلام الرسمية.
وفي ظل المخاوف الأمنية وصعوبة الوصول إليه، يعتمد المرشد الإيراني على نظام تواصل معقد يعتمد على الرسائل المكتوبة بخط اليد، والتي تُنقل عبر شبكة من الوسطاء الموثوقين، في آلية تهدف إلى تقليل مخاطر الاختراق أو الاستهداف.
هذه الظروف دفعت خامنئي إلى تفويض جزء كبير من صلاحيات اتخاذ القرار إلى قادة الحرس الثوري، لا سيما في الملفات الحساسة، مستندًا في ذلك إلى علاقته التاريخية بهم منذ مشاركته في الحرب العراقية الإيرانية، حيث تشكلت روابط وثيقة عززت من نفوذ هذه المؤسسة داخل بنية النظام.
يُذكر أن الحرس الثوري، الذي تأسس عقب الثورة الإسلامية الإيرانية، كان يهدف في الأساس إلى حماية النظام، لكنه تطور تدريجيًا ليصبح لاعبًا رئيسيًا في السياسة والاقتصاد والأمن، حيث توسع نفوذه ليشمل قطاعات اقتصادية استراتيجية، وأجهزة استخبارات، إضافة إلى بناء شبكة علاقات إقليمية مع حلفاء ووكلاء في المنطقة.
وخلال فترة حكم خامنئي الأب، ظل الحرس الثوري ملتزمًا بسلطة المرشد كمرجعية دينية وقائد أعلى للقوات المسلحة، غير أن التطورات الأخيرة، خصوصًا في ظل الحرب، عززت من دوره كعمود فقري للنظام وأداة رئيسية لتنفيذ سياساته.
وتشير المعطيات إلى أن الحرس الثوري بات يقود بشكل مباشر إدارة الصراع، سواء في ما يتعلق بوضع الاستراتيجيات العسكرية أو توجيه الموارد، إذ يرى أن المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة تمثل تهديدًا وجوديًا للنظام.
وبعد أسابيع من القتال، يعبر قادته عن ثقة في قدرتهم على الصمود وتحقيق مكاسب ميدانية.
كما لعب الحرس دورًا محوريًا في القرارات الاقتصادية الكبرى، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة، مستغلًا ذلك كورقة ضغط داخلية وخارجية.
وعلى صعيد الدبلوماسية، أشار مسؤولون إلى “نيويورك تايمز”، إلى أن الحرس الثوري كان صاحب القرار في إدارة مسار التفاوض، بدءًا من الموافقة على وقف إطلاق النار المؤقت، مرورًا بالدبلوماسية غير المباشرة، وصولًا إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة مع واشنطن، حيث تم اختيار شخصيات من داخل المؤسسة، من بينها محمد باقر قاليباف، لقيادة هذه الجهود.
وللمرة الأولى، شارك عدد من قادة الحرس الثوري بشكل مباشر ضمن الوفد التفاوضي، في مؤشر على تعاظم دور المؤسسة العسكرية في صنع القرار السياسي.
ورغم هذا التحول، فالنظام الإيراني لا يزال قائمًا على تعددية مراكز القوى، حيث تتعايش داخله هياكل متوازية وآراء مختلفة، إلا أن الكلمة النهائية تميل في الغالب لصالح الحرس الثوري، دون وجود مؤشرات واضحة على انقسامات حادة أو حالة فوضى داخلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك