يمثل عرض الحصيلة المرحلية للعمل الحكومي أمام البرلمان محطة دستورية بالغة الدلالة، تجسد روح الاختيار الديمقراطي المغربي القائم على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فحضور رئيس الحكومة وأعضائها تحت قبة المؤسسة التشريعية لتقديم حصيلة الأداء ليس مجرد إجراء شكلي، بل ممارسة مؤسساتية تعكس احترام الإرادة الشعبية وتكريسا لحق المواطنين، عبر ممثليهم، في التتبع والتقييم.
لا يمكن مقاربة هذه الحصيلة التي قدمها السيد عزيز أخنوش أمام مجلسي البرلمان طبقا لأحكام الدستور، بمعزل عن السياق الدولي والوطني الذي طبع الولاية الحكومية الحالية.
فقد وجدت الحكومة نفسها منذ انطلاقتها أمام تحديات مركبة: تداعيات جائحة عالمية غير مسبوقة، أزمة جفاف هيكلية أثقلت كاهل القطاع الفلاحي، اضطرابات جيوسياسية رفعت منسوب التوتر في الأسواق العالمية، إضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية، ثم فاجعة زلزال الحوز بما خلفته من آثار إنسانية واقتصادية.
ورغم هذا التراكم، أبانت الدولة المغربية عن قدرة لافتة على الصمود، مستندة إلى رؤية استراتيجية واضحة وتنسيق مؤسساتي حافظ على استمرارية المرفق العام وعلى التوازنات الكبرى للاقتصاد الوطني.
في هذا الإطار، يبرز الحفاظ على المؤشرات الماكرو-اقتصادية كأحد أهم رهانات المرحلة.
فتقليص عجز الميزانية والتوجه نحو خفض المديونية لا يعكسان فقط انضباطا ماليا، بل يترجمان إرادة سياسية لحماية التوازنات المستقبلية، وضمان هوامش تمويل كافية لمواصلة بناء ركائز الدولة الاجتماعية.
على المستوى الاجتماعي، سجلت السياسات العمومية تحولات نوعية، لعل أبرزها الانتقال من منطق دعم الهياكل إلى دعم مباشر للأسر.
فقد أسهمت برامج الدعم الاجتماعي المباشر والدعم الموجه للسكن في تحسين الاستهداف وتعزيز الشفافية، بما يضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها بشكل أكثر فعالية.
وفي قطاع الطاقة، ورغم الضغوط الدولية، تم الحفاظ على استقرار نسبي في الأسعار، بفضل تدخلات مالية مهمة هدفت إلى حماية القدرة الشرائية، وهو خيار كلف ميزانية الدولة أعباءً إضافية لكنه حافظ على التوازن الاجتماعي.
أما في ما يتعلق بالأمنين المائي والطاقي، فقد تسارعت وتيرة إنجاز مشاريع استراتيجية كالسدود والربط المائي، إلى جانب توسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة، في خطوة تعكس وعيا متزايدا بضرورة تحقيق السيادة في مجالات حيوية تمس حاضر البلاد ومستقبلها.
غير أن هذا المسار، بكل ما يحمله من مكتسبات وتحديات، كان يفترض أن يشكل أرضية لنقاش سياسي رصين داخل البرلمان.
إلا أن جزءا من هذا النقاش انزلق، في بعض اللحظات، نحو منطق السجال الحاد وتبادل الاتهامات “المجانية” حتى، بدل التركيز على تقديم بدائل واقعية واقتراحات عملية.
فالمعارضة، في جوهرها، ليست وظيفة تعطيل أو تبخيس، بل دورها الأساسي يتمثل في التقويم والتصويب، عبر نقد موضوعي يستند إلى المعطيات ويقترح الحلول.
أما الاكتفاء بخطاب عدمي ينكر المنجزات جملة وتفصيلا، فإنه يفرغ العمل السياسي من مضمونه ويضعف ثقة المواطن في المؤسسات.
ومن المشروع بل ومن الضروري لفت الانتباه إلى مكامن التعثر والاختلال، والتنبيه إلى “القطارات التي لا تصل في موعدها”، لأن ذلك جوهر الرقابة الديمقراطية وأحد شروط تحسين الأداء العمومي.
غير أن هذا الحرص المشروع لا ينبغي أن يتحول إلى نزعة تُغطي الشمس بالغربال أو تُنكر ما تحقق على أرض الواقع.
فالتقييم النزيه يقتضي قول الحقيقة كاملة: الاعتراف بما لم يُنجز كما يجب، وفي الآن ذاته تثمين ما تحقق بموضوعية.
إذ لا يمكن اختزال المشهد في منطق “الكأس الفارغ” فقط، ولا يجوز تبخيس مجهودات لها أثر ملموس، لأن الإنصاف يقتضي أن نقول لمن أحسن: أحسنت، كما نقول للمقصر: أسأت.
وإذا استحضرنا حجم الإكراهات التي طبعت السياق العام، فإن المؤشرات الاقتصادية المسجلة تعكس بالفعل قدرة ملحوظة على الصمود واستعادة التوازن.
فقد عرف الاقتصاد الوطني منحى تصاعديا في النمو، منتقلا من حوالي 1.
8% سنة 2022 نحو آفاق تناهز 5% في أفق 2026، بالتوازي مع استمرار تراجع عجز الميزانية من 6.
5% إلى مستويات مرتقبة في حدود 3%.
كما تم التحكم في المديونية وخفضها بشكل تدريجي، وهو خيار لم يكن سهلا، إذ كان بالإمكان اللجوء إلى الاقتراض لتمويل مشاريع آنية، لكن ذلك كان سيُثقل كاهل الأجيال المقبلة.
وفي المقابل، أسهمت الإصلاحات، خاصة الضريبية، في رفع موارد الدولة بشكل لافت، ما أتاح توجيهها نحو البرامج الاجتماعية، وعلى رأسها الدعم المباشر للسكن الذي خلق دينامية اقتصادية وأسهم في تنشيط الاستثمار والتشغيل.
وهي معطيات تؤكد أن منطق الإصلاح المتدرج، رغم كلفته السياسية والاجتماعية، بدأ يعطي ثماره بشكل تدريجي.
إن الحاجة اليوم ملحة إلى ترسيخ ثقافة سياسية جديدة، قوامها التمييز بين الاختلاف المشروع والتجريح غير المنتج، وبين النقد المسؤول والمزايدة الظرفية.
فالتجارب الديمقراطية الناجحة تقوم على توازن دقيق بين حكومة تنفذ ومعارضة تراقب وتقترح.
من زاوية أخرى، إذا كان الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية يمثل أحد أعمدة التدبير الحكومي، فإن الرهان الحقيقي يظل في ترجمة هذه المؤشرات إلى أثر مباشر على الحياة اليومية للمواطنين.
فالتحدي لا يكمن فقط في تقليص العجز أو التحكم في المديونية، بل في جعل ثمار هذا الاستقرار المالي تنعكس على تحسين جودة الخدمات العمومية، خاصة في مجالي الصحة والتعليم، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية التي ما تزال قائمة.
ومن هذا المنظور، تبدو الإصلاحات الجارية بمثابة مسار تراكمي يحتاج إلى نفس طويل لضمان نجاعته واستدامته.
كما أن الدينامية الاستثمارية التي يشهدها المغرب خلال هذه المرحلة تشكل رافعة أساسية لتعزيز النمو وخلق فرص الشغل.
فاستقطاب الاستثمارات في قطاعات استراتيجية، كالصناعة والتكنولوجيات الحديثة والطاقات المتجددة، يعكس تحسنا في جاذبية الاقتصاد الوطني وثقة الشركاء الدوليين.
غير أن هذا المسار، على أهميته، يظل رهينا بمدى قدرته على الإدماج الفعلي للشباب في سوق الشغل، وتحقيق العدالة المجالية في توزيع المشاريع، بما يضمن استفادة مختلف جهات المملكة من ثمار التنمية.
وفي سياق متصل، يبرز ورش إصلاح الإدارة كأحد المفاتيح الحاسمة لإنجاح باقي الأوراش.
فتبسيط المساطر، وتسريع رقمنة الخدمات، وتعزيز مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المرفق العمومي، كلها عناصر كفيلة بإعادة بناء الثقة بين المواطن والإدارة.
ذلك أن أي سياسة عمومية، مهما بلغت جودتها، تظل رهينة بفعالية الجهاز الإداري القادر على تنزيلها بكفاءة وإنصاف، وهو ما يجعل من تحديث الإدارة أولوية لا تقل أهمية عن باقي الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.
في النهاية، يظل نجاح السياسات العمومية مسؤولية جماعية، كما أن تعثرها لا ينعكس على طرف دون آخر، بل يطال المجتمع برمته.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة تفرض الارتقاء بجودة النقاش العمومي، وتغليب منطق البناء المشترك على حساب منطق الصراع العقيم.
فالديمقراطية ليست مجرد تنافس على المواقع، بل هي، في جوهرها، ورش دائم لصياغة مستقبل مشترك، يتطلب قدرا عاليا من المسؤولية، ونضجا سياسيا يواكب حجم التحديات التي تواجه البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك