تُعتبر «الصين» من أكثر الدول تضرراً من إغلاق «مضيق هرمز» ومن الحصار الأميركي، لاعتمادها الكُلي على النفط الإيراني ومن عبور هذا الشريان الحيوي، ومع ذلك لم تتأخر الصين في دعم إيران بالأجهزة الإلكترونية الحساسة الخاصة بالتشويش والتضليل.
كما كان يمكنها منذ بداية الأزمة الضغط على النظام الإيراني ولعب دور الوسيط الموثر في مفاوضات ركيزة تحفظ السلام في المنطقة، وإن كانت لا تثق في الجانب الأميركي.
عندما اندلعت الحرب وقف «التنين الصيني» ولم يفتح فمه ويهدد بالنار، بل اتخذ موضعاً من مجرى الأحداث جعله يعيد حسابات المعركة بدوافعها وتداعياتها على المدى المنظور والبعيد.
فلم يغفل عن جزيرة «تايوان» التي كانت دائماً نصب عينيه، إذ كان يمكنه محاكاة العدوان الأميركي على إيران، واعتباره مفتاحاً لغزو «تايوان» بمحاججة لن ترفضها الولايات المتحدة ولن تعترض سبيلها وهي السباقة في سطوها السافر على «فنزويلا» وفي حربها المكلفة على إيران في مغامرة جريئة خارج القانون والمواثيق الدولية.
لعل طول أمد الحرب ووقف النار بهدنة هشة، والدخول في مفاوضات محفوفة بالفشل، جعل الصين تتريث قبل أن تمد عنق تنينها نحو تايوان.
وأن أية حسابات أخرى مع أوروبا ومع حليفته روسيا، ومع أميركا بالنتيجة، ستكون مواتية ضمناً في صفقة اقتصادية، وبذلك سيكون احتلال تايوان سهلاً حتى بدون زحف التنين!غير أن هذه الصورة الخيالية البعيدة عن كُل الاحتمالات والحسابات الجيوسياسية، وعلى ما فيه من إغراءٍ سردي يتجاهل طبيعة العقل الاستراتيجي الصيني الذي لا يُغامر بالقفز فوق المراحل كما فعلت الولايات المتحدة، بقدر ما يُتقن هندسة الزمن ومقدماته.
فالصين، التي راكمت صعودها بصمتٍ تاريخي محسوب، تُدرك أن معركة بحجم «تايوان» ليست مُجرد تكرارٍ للنموذج الأميركي في «إيران»، بل هي اختبار شامل لبنية النظام الدولي برمته، حيث الاقتصاد يسبق المدفع، وسلاسل الإمداد تعادل في خطورتها حاملات الطائرات الحديثة وتقنياتها الرقمية.
لقد قرأت «بكين» الحرب لا بوصفها صراعاً إقليمياً محدوداً، بل كتمرينٍ مفتوح على استنزاف الإرادات الكبرى.
فإغلاق «مضيق هرمز» بقرارٍ إيراني، و«حصار الموانئ» بقرارٍ أميركي، لن يكونا مُجرد ضربةٍ لأسعار النفط والبضائع، بل زلزالاً في شرايين التجارة العالمية ومنها التي تُغذي المصانع الصينية.
ومن هنا، بدا دعمها لإيران محسوباً بدقة، فلا هو بالاندفاع الذي يورطها في مواجهة مباشرة مع أميركا، ولا هو بالحياد الذي يفرط بأوراق النفوذ، ولكنه التموضع في المنطقة الرمادية، حيث تُدار الحروب الوازنة، بالذكاء لا بالعنجهية!في هذا السياق، لم تكن «تايوان» هدفاً آنياً بقدر ما هي مرآةٌ تعكس حدود القوة الأميركية.
فالصين تُدرك أن أي اندفاعٍ عسكري مباشر نحو الجزيرة سيستدعي تحالفاتٍ دولية قد تعيد إنتاج الحرب الباردة بأدواتٍ أكثر قسوة.
لذلك، فإنها تفضل تفكيك «تايوان» من الداخل، اقتصادياً وتقنياً ونفسياً، حتى تصبح لحظة السيطرة عليها، نتيجة طبيعية لا صدمة عسكرية!ثمة بُعدٌ آخر أكثر عُمقاً في الحسابات الصينية، يتعلق بعلاقتها مع «روسيا» من جهة، ومع «أوروبا» من جهة أخرى.
فبكين لا ترى في موسكو حليفاً تقليدياً بقدر ما تراه شريكاً اضطرارياً في مواجهة الهيمنة الغربية، بينما تنظر إلى أوروبا كسوقٍ لا يمكن التفريط بها في مغامرةٍ عسكرية غير محسوبة.
ومن هنا، يصبح التوازن بين هذه الأطراف شرطاً لأي خطوة كبرى، لا مُجرد تفصيلٍ ثانوي في حسابات الحرب.
أما الولايات المتحدة، فهي في المنظور الصيني خصمٌ لا يُهزم بالقوة الخشنة وحدها، بل بتآكل نفوذه تدريجياً عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات البديلة.
ولهذا، فإن تركها تغرق في أزماتٍ متتالية، من الشرق الأوسط إلى أطراف أوروبا وأميركا الجنوبية، يُعد في حد ذاته انتصاراً صينياً صامتاً، يُمهد الطريق لإعادة تشكيل النظام الدولي دون إطلاق رصاصة واحدة!إن «وجبة التنين» هنا ليست بالضرورة جزيرة «تايوان» وحدها، بل الزمن ذاته.
فالصين لا تأكل فرائسها دفعة واحدة، بل تُطيل إنضاجها على نارٍ هادئة، حتى تبلغ لحظة النضج التي لا تحتاج فيها إلى معركة.
وعندها فقط، قد يبدو العالم وكأنه استيقظ فجأة ليجد أن موازين القوة قد تغيرت، لا بفعل حربٍ كبرى، بل بفعل صبرٍ استراتيجي طويل، هو أخطر من الحرب نفسها.
وهكذا هي «الصين» وعاءٌ للعقل والتدبير عبر التاريخ، ما جعلها تهيمن على اقتصادات العالم برقائق «ترانزستور» دقيقة، لا تُرى بالعين المُجردة!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك