دموع كارتر وواحة الديمقراطيةفي أواخر العام 1977، استقبل الرئيس الأميركي جيمي كارتر شاه إيران محمد رضا بهلوي في حديقة البيت الأبيض بحفاوة بالغة.
لم يكن الترحاب مجرد مجاملة دبلوماسية؛ فالشاه كان أبرز حلفاء أميركا في الشرق الأوسط.
وبينما كان الزعيمان يتبادلان كلمات الترحيب؛ كانت أصوات المعارضين الإيرانيين تتعالى في الشوارع المحيطة، والشرطة الأميركية ترد بالهراوات والغاز المسيل للدموع، حتى إن بعض القنابل سقطت بالقرب من مكان الاحتفالية حيث يقف الزعيمان.
وفي خضم هذا التناقض، كان كارتر يحاول حبس دموعه وهو يصف إيران بأنها «واحة من الديمقراطية في الشرق الأوسط»، في مشهد يلخص الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع، وهي المفارقة التي التقطها المفكر الأيرلندي فريد هاليداي في كتابه «إيران: الدكتاتورية والتنمية» الصادر العام 1977، والذي قدم فيه رؤية نقدية عميقة للنظام الإيراني، وتنبأ بزوال تلك «الواحة» المزعومة.
تناول الكتاب طبيعة حكم الشاه من زاوية تجمع بين الاقتصاد والسياسة والاجتماع.
حيث رأى أن الطفرة النفطية والتنمية السريعة لم تُخفِ حقيقة أن النظام يقوم على أجهزة قمعية وبنية سلطوية هشة، وأن هذا التناقض سيؤدي في النهاية إلى انهياره.
بهذا التحليل المبكر، قدّم هاليداي رؤية استشرافية لضعف النظام، وجعل من كتابه مرجعاً أساسياً لفهم العلاقة المعقدة بين التنمية والاستبداد في الشرق الأوسط.
الجزيرة العربية بلا سلاطين: البدايات الفكريةبدأ فريد هاليداي مساره البحثي في المنطقة بكتاب «الجزيرة العربية بلا سلاطين» (1975)، الذي ظل لسنوات مرجعاً أساسياً حول الخليج العربي وصراعاته السياسية والاجتماعية.
وعلى الرغم من أن بعض تنبؤاته لم تتحقق، فقد قدّم صورة ثرية عن المواجهة بين الأنظمة المحافظة والتيارات اليسارية وحركات التحرر في ظفار واليمن وعدن.
هذا وقد مرت كتابات هاليدي بثلاثة مراحل رئيسية:1- مرحلة الشباب والنضال اليسارياتسمت بالنضال من أجل الأفكار اليسارية والماركسية واهتمامه بالخليج العربي والثورات في جبال ظفار وعمان وجنوب اليمن، إضافة إلى جناح الثورة الإيرانية اليساري ممثلاً في فدائيي ومجاهدي خلق.
2- من الماركسية إلى نقدها: التحولات بعد السوفياتوفيها تخلى عن أفكاره اليسارية السابقة، معلناً أن الاشتراكية والماركسية كانت مجرد نزعات طوباوية خُلعت عليها القداسة.
وأن الديمقراطية والرأسمالية بإمكانهما أن تحدثا تطويراً في المجتمعات خصوصاً أن جرى تنظيمهما وأنسنتهما؛ هذا التحول جلب عليه انتقادات من رفاق الأمس.
3- الإسلام والغرب: تفكيك خرافة المواجهةاهتم بالعلاقة بين الإسلام والغرب وسجالات العولمة والخصوصية الثقافية.
من أبرز أعماله في هذه المرحلة كتاب «الإسلام والغرب: خرافة المواجهة»، وكتاب «ساعتان هزتا العالم» (2001) الذي دحض فيه الأفكار المسبقة لدى الغرب عن الإسلام وانتقد فكرة صراع الحضارات، إضافة إلى كتابه «100 وهم حول الشرق الأوسط» الذي تناول البنية الثقافية لشعوب المنطقة.
تميز هاليداي بإتقانه للغات، فإلى جانب العربية التي كان قادراً على إلقاء المحاضرات بها، كان يتقن الفارسية والألمانية والفرنسية والروسية والإسبانية، إضافة إلى إلمامه باللاتينية واليونانية والإيطالية والبرتغالية.
رحل هاليداي في 22 أبريل 2010 بعد حياة حافلة بالعطاء الفكري والنضال من أجل العدالة، وظلت أفكاره ومواقفه مرجعاً لكل من يسعى لفهم العالم في الفترة من العام 1945 وحتى العام 2010، ولمن يسعى لاستيعاب السياسات المعقدة والصراعات الصعبة التي شهدتها تلك الحقبة.
إلى جانب مؤلفاته الأصلية بالإنجليزية، تُرجمت مجموعة من كتب فريد هاليداي إلى العربية، مما أتاح للقارئ العربي الاطلاع على أفكاره النقدية حول الشرق الأوسط والعلاقات الدولية.
فيما يلي أبرز هذه الأعمال المترجمةً:1- «الإسلام وخرافة المواجهة: الدين والسياسة في الشرق الأوسط»، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1997.
2- «ما بعد الماركسية»، دمشق: دار المدى، 1998.
3- «الأمة والدين في الشرق الأوسط»، لندن: دار الساقي، 2000.
4- «دقيقتان هزتا العالم: سبتمبر 2001»، بيروت: دار الساقي، 2002.
5- «الكونية الجذرية لا العولمة المترددة»، بيروت: دار الساقي، 2003.
6- «100 وهم حول الشرق الأوسط»، بيروت: دار الساقي، 2006.
7- «صراع الأصوليات الثقافية، ضمن: ندوة التحولات المجتمعية وجدلية الثقافة والقيم»، الدوحة، 2007.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك