قناة التليفزيون العربي - ما بعد اتفاق لبنان..الحرس الثوري يطالب إسرائيل بالانسحاب ومستشار المرشد يتوعد بتحويل الشمال إلى جحيم روسيا اليوم - قبل اعتقاله بساعات.. قاتل نجم أمريكي يتصل بالشرطة ويعلن أنه المسيح (صور) قناه الحدث - سواكن.. مدينة سودانية تشعل الأساطير على شاطئ البحر الأحمر العربي الجديد - "أرى بنايات تسقط كالبرق": مونولوغ داخلي بلقطات مقرّبة روسيا اليوم - عراقجي يرد على ترامب حول لقاء المرشد الإيراني مجتبى خامنئي العربي الجديد - الاتحاد الأوروبي يشرّع مراكز اللجوء الخارجية روسيا اليوم - مصر.. نجوم الفن يزورون الفنان محيي إسماعيل (فيديو) روسيا اليوم - شي يزور كوريا الشمالية يومي 8 و9 يونيو CNN بالعربية - ماذا يقول ترامب عن الحرب على إيران وسط غموض مستقبل المحادثات؟ العربي الجديد - مستشفيات لبنان... خدمات متواصلة جنوباً رغم الغارات ونقص الإمدادات
عامة

رجال ملأتهم الشروخ

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 شهر
1

العمر ثقيل، كأنه سطل حديدي مليء بالزيت الساخن المستقرة عروته الصدئة على ساعدك. العمر مزعج، كأنه حقيبة ضخمة تحملها على ظهرك في حلك وترحالك، حقيبة باهتة مهترئة مليئة بقطع قماش وقصاصات أوراق تأمرك كل يوم...

ملخص مرصد
يتناول المقال معاناة الإنسان مع مرور الزمن، مستشهداً بشعر أمل دنقل ليرسم صورة قاتمة للواقع المليء بالألم والظلم. الكاتب يتساءل عن كيفية حياة البشر المشروخين بجراحهم، الذين يتغافلون عن معاناة الآخرين، في زمن يسوده الصمت المزعج وغياب المعنى. يسلط الضوء على قسوة الحياة وعبثيتها، معتبراً أن الزمن سيمحو كل شيء، تاركاً جودة الحياة كمعيار للبقاء.
  • الكاتب يستشهد بشعر أمل دنقل ليرسم صورة قاتمة للواقع المليء بالألم والظلم
  • يتساءل عن كيفية حياة البشر المشروخين بجراحهم في زمن الصمت المزعج
  • يؤكد أن الزمن سيمحو كل شيء، تاركاً جودة الحياة كمعيار للبقاء
من: أمل دنقل (بحسب الكاتب)

العمر ثقيل، كأنه سطل حديدي مليء بالزيت الساخن المستقرة عروته الصدئة على ساعدك.

العمر مزعج، كأنه حقيبة ضخمة تحملها على ظهرك في حلك وترحالك، حقيبة باهتة مهترئة مليئة بقطع قماش وقصاصات أوراق تأمرك كل يوم بإعادة تذكرها وترتيبها وتشكيلها.

العمر حكايات لم تُشهد خواتيمها، وآلام لم تُقفل جراحها، وهزائم تحجب النظر، تجثم جالسة على صدر كل انتصار.

العمر مسلسل تركي ميلودرامي طويل، تبقى تستعيد حلقاته لتذكرك بما لم تنجز ولم تدرك، بالأحلام الضائعة والعداوات المتكالبة والمحبات المتلاشية في كراهيات لا تعرف لها سبباً ولا تفهم لها معنى.

العمر مجموعة حواس متصلة تذكرك بطعم ورائحة هؤلاء الذين سبقوك، وأولئك الذين تخشى عليهم حين تسبقهم.

العمر أشجان متراكمة تهرس قلبك بلذة بعض ذكريات وأسى بعضها الآخر إلى أن، كما تقول الملكة إليزابيث الأولى في قصيدتها «في مغادرة السيد» والترجمة لي «أموت فأنسى ما عناه الحب أبداً».

منذ صباح اليوم وأنا أقرأ وأستمع لقصائد أمل دنقل، أعذب نفسي بوخز كلمات تنطلق مباشرة كما الإبر في الوريد، بمعان وآلام وأشجان تلتف برقة وروعة حول رقبتي فقط لأنتبه بعد حين أنها غصة كبيرة مليئة بالدموع تود أن تفلت من بلعومي.

يحفزنا دنقل على حمل ضغينة شريفة، ألّا نصالح، ألّا ننسى الرداء الملطخ بالدماء، ألّا نلبس الثياب المطرزة فوق تلك الدماء.

يذكرنا دنقل أن الميزان مختلف، غير متساو، فقلب الغريب ليس كقلب أخيك، عيناه ليستا كعيني أخيك، وأن السهم المنغرس من الخلف سوف يصلنا من ألف خلف، فلا نصالح.

يؤكد دنقل ما لا يستدعي تأكيداً، ألّا يجب أن نقتسم الطعام مع قاتلنا، وأن نروي قلوبنا العطشى بالدماء لو عز الماء، ألّا نستمع لنداء القبيلة، ولا نخاف السيوف والرجال «التي ملأتها الشروخ».

أتأمل كلماته على مرآة واقعنا، هذا الواقع المليء ببشر ملأتهم الشروخ، هؤلاء المشروطون من رأسهم إلى أخمص قدمهم بمشرط الخيانة، هؤلاء الذين يضمدون شروخهم بجثث الأطفال، ويلهون مسامعهم وأبصارهم بصور الجوعى والعطاش والمعذبين في السجون والمشردين في الأرض.

ترى، كيف يحيا هؤلاء المشروخون وكيف ينامون؟ كيف يصمون آذانهم عن صوت هند رجب، وصورة يوسف بشعره «الكيرلي»، ومنظر د.

حسام أبو صفية، ومشهد غزة المبادة؟ كيف تحميهم شروخهم من سماع عويل أطفال يقتلون في مدارسهم، ومواليد يبادون في مستشفياتهم، وصغار جوعى يُقتنصون فيما هم يتراكضون بوعاء خال، كل أمنيتهم أن يطفو على سطحه بعض الأرز أو شيء من فتات خبز؟ كيف تحمي الشروخ النفوس من إنسانيتها؟أعود إلى نفسي وذاتي بأنانيتي البشرية الجينية، «أراجع ذكريات أمسي» كما يقول الشاعر راشد بن أحمد الجابري، الذي يعيدني إلى حضن ديوان دنقل المليء بالعذاب والشجن.

أتأمل كيف أن «مصفوفة حقائبي على رفوف الذاكرة، والسفر الطويل، يبدأ من دون أن تسير القاطرة» وفيما أنا أنظر من الشباك «وريقة.

وريقة.

يسقط عمري من نتيجة الحائط، والورق الساقط، يطفو على بحيرة الذكرى، فتلتوي دوائر، وتختفي.

دائرة.

فدائرة».

حارق أمل دنقل وهو يصف تلاشي الحياة وكأنها دوائر تتردد جزيئاتها على سطح الماء، قاس في رسمه لهذا التلاشي وهو يحدث أمام أعيننا، يذكرنا بفنائنا، بعدميتنا وباللامعنى المنوط بكل هذا اللاشيء.

تنضح كل ندوب الروح بالألم وأنا أتأمل الجملتين القصيرتين «حبيبها الذي قد حطم اللعبة، مخلفاً في قلبها… ندبة».

أتذكر كل هؤلاء الذين أحببت والذين وشموا جلدي بذكرى وألم.

لا معنى للكراهية في هذا العالم المؤقت العبثي، لا هدف أخير ولا نتيجة حتمية للندوب التي نخلفها في قلوب بعضنا بعضاً، والتي كل مآلها أن تجعل الرحلة أكثر صعوبة ومراراً.

وها هو الزمن يمر سريعاً «فتأكلني دوائر الغبار، أدور في طاحونة الصمت، أذوب في مكاني المختار» وبعد برهة «شيئاً فشيئاً… يختفي وجهي وراء الأقنعة» ليغدو قلبي «المعروض في سوق الرياء، جائعا… حتى العياء».

جوع حقيقي يعذب الروح إلى زمن ما، إلى حديث ما، إلى حرية ما، إلى كل ما كنا نفعل ونقول، ليعطي للحياة شيئاً من معنى.

وفيما العالم كله يتجه إلى صمت صارخ مزعج، صمت تثبته وتوثقه ضوضاء منصات التواصل بكل قسوتها وعتهها وتخديرها للعقل والمنطق والشعور، تموت الكثير من القلوب المعتادة هدوء الحرية، المقتاتة على البوح والقول والفعل.

على هذه الموجة الملوثة من تاريخ البشرية، وفي هذه المرحلة الدكتاتورية الصامتة الصاخبة بالعته والجنون في حياة البشر، يختفي كل معنى للحياة، هذا المعنى الذي كنت بالكاد أصنعه لنفسي كل يوم، بكلمة أحاول قولها أو صرخة اعتصام أقف فيه.

كل شيء له معنى اختفى.

ومع غياب المعنى، غابت الحياة وبقيت ممارساتها البيولوجية العصابية المقرفة.

«كل صباح أفتح الصبور في إرهاق، مغتسلاً في مائه الرقراق، فيسقط الماء على يدي… دماً»، دماً لا يوجد ماء نقي يغسله أو يزيله.

وكيف لا وقد «فاضت النار على المخيمات، وفاضت.

الجثث، وفاضت الخوذات والمدرعات».

والآن «لم يبق اختيار، سقط المهر من الإعياء، وانحلت سيور العربة، ضاقت الدائرة السوداء حول الرقبة، صدرنا يلمسه السيف، وفي الظهر: الجدار».

إنه زمن السقوط المدوي للمهور، زمن صعود الرجال الذين ملأتهم الشروخ، زمن الدوائر التي تتلاشى في البحيرة وتلتف حول الرقبة، زمن الظهور التي لا ترقد على الأسرّة بل تلتصق بالجدران، زمن الصدور التي لا تغفو على الصدور بل على السيوف، زمن الصمت المطبق، صمت ضجيجه يصم الآذان ويطرق القلوب بسكتات ليس بعدها عودة.

لقد تأخر الوقت بالنسبة لي ولكل جيلي من غير المشروخين، من غير البائعين، من غير هؤلاء الذين يرتدون ملابسهم المطرزة فوق الدماء، الذين يقتسمون الطعام مع قاتلهم، الذين ليس لديهم حقائب في صفوف الذاكرة، مرتاحين من أمتعة الحياة الثقيلة بضميرها وإنسانيتها ومعناها، هؤلاء الذين يحطمون اللعب ويخلفون الندب، هؤلاء الذين يغتسلون بالدماء ويوجهون السيوف للصدور.

الحياة اليوم لهم، هو زمنهم الراضي عن جنونهم وقسوتهم وعتههم ودناءة نفوسهم.

إلا أن الحقيقة تبقى، ستختفي حياتهم كمانا تماماً، ستسقط أعمارهم من نتيجة الحائط، تتلاشى سنواتهم دائرة فدائرة، وتبقى جودة الحياة معياراً للمدى والطريقة التي حييناها بها.

أما في اللحظة، فلا تتبقى سوى حقيقة أمل دنقل: «العالم في قلبي مات، لكن حين يكف المذياع، وتنغلق الحجرات، أخرجه من قلبي وأسجيه فوق سريري، أسقيه نبيذ الرغبة، فلعل الدفء يعود إلى الأطراف الباردة الصلبة، لكن.

تتفتت بشرته في كفي، لا يتبقى منه سوى.

جمجمة.

وعظام! … … … وأنام! ! ».

كل المقاطع الشعرية مأخوذة من ديوان أمل دنقل»الأعمال الشعرية الكاملة» لدار العودة، بيروت.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك