تُظهر أحدث معطيات نسب المشاهدة الصادرة عن موقع “ماروك ميتري” للفترة الممتدة ما بين 8 و18 أبريل 2026 مفارقة لافتة بين ما يتداول على منصات التواصل الاجتماعي وما تعكسه الأرقام الفعلية لسلوك الجمهور أمام الشاشة، فبينما تتصاعد موجة الانتقادات الرقمية للمحتوى التلفزيوني، تؤكد بيانات المشاهدة استمرار هيمنة البرامج الترفيهية والدرامية على اختيارات المغاربة.
وعلى مستوى القناة الأولى، يتصدر برنامج “لالة لعروسة” قائمة البرامج الأكثر متابعة بفارق مريح، بعدما استقطب ما يقارب 10 ملايين مشاهد (9.
946.
000) خلال بثه يوم السبت 11 أبريل، محققا حصة مشاهدة بلغت 47.
8 في المائة.
ويعزز هذا الرقم موقع البرنامج، في موسمه العشرين، كأحد أقوى المنتجات الترفيهية في الشبكة البرامجية، ويؤكد قدرته على الحفاظ على جمهوره رغم طول عمره التلفزيوني.
وفي المرتبة الثانية، جاءت “الأخبار باللغة العربية” بأزيد من 7 ملايين مشاهد، وهو حضور يعكس استمرار نشرة الأخبار كموعد ثابت لدى فئة واسعة من الجمهور، بينما حل مسلسل “الصديق” ثالثا بما يقارب 5.
8 ملايين مشاهد، متبوعا ببرنامج “45 دقيقة” ثم مسلسل “شمس العشية”، بأرقام متقاربة تجاوزت 5.
5 ملايين مشاهد لكل منهما.
وتبرز مقارنة لافتة في برمجة القناة الأولى، حيث بث كل من “لالة لعروسة” وبرنامج “45 دقيقة” مع نهاية الأسبوع في يومين مختلفين وفي التوقيت نفسه تقريبا (حوالي العاشرة ليلا)، غير أن الفارق في نسب المتابعة كان كبيرا، إذ حصد البرنامج الترفيهي ضعف عدد المشاهدين تقريبا مقارنة ببرنامج التحقيقات ذي الطابع التوعوي الثقافي، ما يعكس تفضيلا واضحا للمحتوى الخفيف خلال فترات الذروة.
أما على مستوى القناة الثانية، فتؤكد الأرقام بدورها استمرار هيمنة الترفيه والدراما، إذ تصدر المسلسل التركي“هديك حياتي” القائمة بنسبة مشاهدة تجاوزت 50 في المائة وعدد مشاهدين بلغ 8.
4 ملايين، يليه برنامج “النجم الشعبي” بحوالي 7.
8 ملايين مشاهد، ثم “رشيد شو” والمسلسل التركي”بحر الظلام” والسلسة المغربية”K1: قانون ونظام” بأرقام تراوحت بين 6.
9 و7.
5 ملايين مشاهد.
وتكشف هذه النتائج أن الدراما، بما فيها الأعمال المدبلجة، تواصل استقطاب جمهور واسع، رغم الانتقادات المتكررة التي تطالها على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة ما يتعلق بجودة المضامين أو تكرار القصص، إذ تظل هذه الأعمال ضمن الأكثر متابعة، ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب الرقمي وسلوك المشاهدة الفعلي.
وفي هذا الصدد، قدم الناقد الفني مصطفى الطالب، قراءة تحليلية لواقع البرامج التلفزيونية، متوقفا عند تجربة “لالة العروسة” التي اعتبر أن فكرتها تلامس قضية اجتماعية تهم جميع المغاربة، والمتمثلة في الزواج وتأسيس الأسرة، وهو ما يمنحها بعدا مجتمعيا واضحا، إلى جانب كونها تقدم في قالب عائلي ترفيهي، رغم ما طال محتواها في الآونة الأخيرة من انتقادات.
وأوضح الطالب، في تصريح لـ”العمق”، أن جاذبية البرنامج تنبع من طبيعة فكرته التي وصفها بـ”المغرية”، إضافة إلى توقيت بثه مساء السبت، حيث تجتمع الأسر أمام التلفزيون، ما يعزز فرص متابعته على نطاق واسع.
وأبرز في هذا السياق، أن تحقيق نسب مشاهدة في حدود 6 أو 10 ملايين لا يعد رقما كبيرا إذا ما قورن بما تحققه الأغاني من مشاهدات ضخمة، غير أن تسجيل نحو 5.
5 ملايين مشاهدة لبرنامج “45 دقيقة” يظل مؤشرا مهما، خاصة أنه يندرج ضمن ما يعرف بـ”برامج القرب”.
وسجل الطالب، أن حضور الوجوه الفنية المحبوبة يساهم بدوره في نجاح هذه الأعمال، مشيرا إلى أن تنشيط السعدية لديب لهذا الموسم من “لالة العروسة” يمثل أحد عناصر الجذب، بحكم ما تحمله من صورة قريبة من وجدان المغاربة وتجسيدها لقيم “التمغاربيت”، وهو ما اعتبره عاملا لا يمكن تجاهله في تفسير الإقبال على البرنامج.
في المقابل، لم يغفل الناقد الفني الحديث عن الاختلالات التي ترافق العمل، مبرزا أن بعض الفقرات لا تعكس بالضرورة خصوصيات المجتمع المغربي وعاداته، نتيجة إدخال الأسرة في سياقات لا تمت بصلة إلى واقعها، وهو ما يطرح إشكال حدود الترفيه ومدى احترامه للمرجعية الثقافية.
وانتقل الطالب إلى تشخيص أوسع للمشهد الإعلامي، معتبرا أن تصدر الترفيه لبرمجة القنوات الوطنية يعكس توجها واضحا نحو هذا النوع من المحتوى على حساب البرامج الثقافية والفكرية، التي بات حضورها محدودا وغالبا ما تُبث في أوقات متأخرة.
وأكد ذات المتحدث، أن الإشكال لا يكمن في الترفيه في حد ذاته، بل في ضعف المحتوى التثقيفي القادر على مخاطبة ذكاء الجمهور وتعزيز ارتباطه بتاريخ وثقافة البلد.
وأشار الطالب، إلى أن برمجة أعمال ترفيهية متتالية، من قبيل “النجم الشعبي” و”رشيد شو” عقب عرض المسلسلات التركية، يكرس هذا التوجه، حيث يتعود المشاهد على نمط معين من المحتوى، دون أن يعني ذلك أن جميع المغاربة يتابعونه أو يفضلونه، مشددا على أن القضايا الحقيقية التي يعيشها المواطن لا تجد حضورا كافيا على الشاشة، أو تُطرح بشكل سطحي يفتقد للعمق.
واعتبر مصطفى الطالب، أن سياسة التركيز على الترفيه أسهمت في تصدر هذه البرامج لنسب المشاهدة، غير أن ذلك لا يعني الدعوة إلى إلغائه، بل إلى تحقيق توازن بينه وبين البرامج التثقيفية والفكرية، داعيا إلى ضرورة إعادة النظر في الاختيارات البرامجية، بما يضمن تنوعا يعكس انتظارات الجمهور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك