منذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي في يناير 2017، عبأت الدبلوماسية المغربية آلياتها اللوجستية والبشرية لإقناع الدول الأعضاء بالتراجع عن مواقفها السابقة فيما يتعلق بمغربية الصحراء، مما أدى إلى تحول ملموس في مواقف العديد من الدول الإفريقية.
فقد سحبت عدة دول إفريقية اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية”، مما أضعف موقف جبهة البوليساريو داخل المنظمة، كما تحول موقف العديد من الدول الإفريقية من مساندة النزعة الانفصالية إلى دعم مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع، وهو ما يعكس تغيراً تدريجياً في ميزان التفاعلات السياسية داخل القارة.
فمن أصل 36 دولة إفريقية كانت تعترف بـ”الجمهورية العربية الصحراوية” في البداية، لم يتبق سوى 16 دولة فقط تحتفظ بهذا الاعتراف حتى عام 2025.
كما قامت عدة دول إفريقية بافتتاح قنصلياتها في العيون، كجزر القمر والغابون وإفريقيا الوسطى وكوت ديفوار وبوروندي وزامبيا وإسواتيني وملاوي، بينما افتتحت غينيا والسنغال وليبيريا وبوركينا فاسو وغينيا بيساو وغينيا الاستوائية وغامبيا والتشاد قنصلياتها في الداخلة، في مؤشر دبلوماسي يعكس تحولاً في مواقف هذه الدول تجاه القضية.
بالإضافة إلى ذلك، نجح المغرب في حصر ملف الصحراء ضمن اختصاص الأمم المتحدة، مما أدى إلى غياب أي تقارير أو مواقف معارضة من الاتحاد الإفريقي تجاه هذه القضية الوطنية خلال السنوات الأربع الأخيرة.
لكن، وعلى الرغم من أهمية هذه النجاحات الدبلوماسية، فإن المواقف الأخيرة لكل من مصر ومالي وكينيا من ملف الصحراء اكتست طابعاً سياسياً خاصاً، نظراً لوزن هذه الدول الثلاث في محيطها الإقليمي، كمصر بشمال إفريقيا والمنطقة العربية، ومالي بمنطقة الساحل، وكينيا بمنطقة إفريقيا الشرقية والأنغلو-إفريقية.
1- الاعتراف المصري بمغربية الصحراء بين الإرث التاريخي والثقل السياسي في المنطقةحظي اجتماع أول لجنة للتنسيق والمتابعة المغربية المصرية المنعقدة بالقاهرة يومي 6 و7 أبريل 2026 باهتمام خاص من طرف المتتبعين، ليس فقط لطبيعة السياق الجيوسياسي الذي تنعقد فيه والمرتبط بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، ولا بطبيعة التأرجح الذي اتسمت به علاقات قوتين إقليميتين بشمال إفريقيا نتيجة إرث توتر سياسي خيم على العلاقات الدبلوماسية للبلدين منذ ستينيات القرن الماضي، بل أيضاً لما يحمله من دلالات على إعادة ترتيب العلاقات الثنائية في سياق إقليمي متغير.
فمن الملفت للنظر أن انعقاد أول اجتماع للجنة التنسيق والمتابعة بين البلدين قد أتى بعد تأجيل اجتماع اللجنة العليا المشتركة المصرية المغربية، التي كان من المقرر عقدها يوم الأربعاء 11 فبراير 2026 في القاهرة، حيث تم الإعلان رسمياً عن انعقادها عقب مكالمة هاتفية ثانية جرت في نهاية يناير 2026 بين وزيري خارجية البلدين، ناصر بوريطة وبدر عبد العاطي.
وقد أثار تأجيل اجتماع هذه اللجنة العليا إلى أجل غير مسمى تساؤلات حول إكراهات الأجندة التي تمت إثارتها، وكذا حول المناخ الحقيقي للعلاقات بين الرباط والقاهرة.
وهكذا ظل الموقف المصري يراوح بين الدعم الدبلوماسي وحرصه على الحياد النسبي حفاظاً على علاقته مع الجزائر، غير أنه بعد سنوات من الغموض أو ما يسمى بالموقف الرمادي، بدأ يميل تدريجياً نحو المغرب، خاصة مع تطور علاقات الرباط مع حلفاء مصر الخليجيين.
ومع ذلك، لم تصل القاهرة حد الاعتراف الصريح والعلني بسيادة المغرب على الصحراء، كما فعلت دول عربية أخرى، وظلت تعتمد عبارات دبلوماسية متوازنة في كثير من الأحيان، إلى أن ظهرت مؤشرات تحول أكثر وضوحاً في الآونة الأخيرة.
لكن يبدو أن هناك عدة متغيرات جيوسياسية لعبت دوراً أساسياً في تحول الموقف المصري تجاه قضية الصحراء، حيث أظهرت مصر خلال انعقاد لجنة التنسيق والمتابعة تطوراً إيجابياً بدعمها للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، واصفة إياه بالحل الأكثر جدية، ومؤكدة دعمها للوحدة الترابية للمملكة المغربية، وتأييد قرارات مجلس الأمن، خاصة القرار 2797 الذي يؤكد على مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي ووحيد في إطار أي تسوية سياسية لنزاع عمر أكثر من نصف قرن.
وقد شكل هذا الموقف المصري الصريح بشأن قضية الوحدة الوطنية انتصاراً هاماً للدبلوماسية المغربية وضربة كبرى للجزائر لعاملين أساسيين، يتمثل الأول في تجاوز إرث سياسي تمثل في تصريحات لمسؤولين وخبراء مصريين أكدت دعم مصر بقيادة جمال عبد الناصر عسكرياً للجزائر في “حرب الرمال” عام 1963 ضد المغرب، عبر إرسال مستشارين وأسلحة وطائرات، وهو ما خلف توتراً تاريخياً في العلاقات الثنائية ظل يلقي بظلاله على مواقف القاهرة لسنوات طويلة.
أما العامل الثاني فيرتبط بكون هذا الموقف يصدر عن قوة إقليمية مركزية في منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تستند في وزنها الاستراتيجي إلى عوامل جغرافية وديموغرافية وعسكرية وسياسية تجعلها دولة محورية في التوازنات الإقليمية، إذ تمثل مصر نقطة التقاء استراتيجية بين إفريقيا وآسيا، كما تشكل قناة السويس ممراً حيوياً للتجارة العالمية، إلى جانب دورها الأمني في استقرار دول الجوار، خاصة ليبيا والسودان، وسعيها لتثبيت التوازن في منطقة القرن الإفريقي.
2- الاعتراف الكيني بمغربية الصحراء بين الإرث الرمزي والحجم الإقليمي في المنطقةأعربت كينيا، اليوم الخميس، عن دعمها لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وجاء التعبير عن هذا الموقف بمناسبة أشغال الدورة الأولى للجنة المشتركة للتعاون المغربية الكينية، التي ترأسها في نيروبي كل من وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج، ناصر بوريطة، والوزير الأول ووزير الشؤون الخارجية وشؤون المغتربين بجمهورية كينيا، الدكتور موساليا مودافادي، في سياق يعكس تطوراً نوعياً في العلاقات الثنائية بين البلدين.
وفي البيان المشترك الذي تم توقيعه عقب أشغال هذه اللجنة، نوهت كينيا “بالتوافق الدولي المتزايد والدينامية التي يقودها الملك محمد السادس لفائدة مخطط الحكم الذاتي”، واصفة إياه بأنه “الحل الوحيد ذي المصداقية والواقعي لتسوية النزاع حول الصحراء”، كما أعلنت عزمها على التعاون مع الدول التي تتقاسم وجهة النظر ذاتها لتعزيز تكريس هذا التوجه، في إطار دعم المسار الأممي لإيجاد حل دائم للنزاع.
كما أشادت كينيا بتبني مجلس الأمن للقرار رقم 2797، الذي يكرس مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس لتسوية عادلة ومستدامة ومتوافق بشأنها، وأكدت موافقتها على الجهود التي يبذلها الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي لتيسير المفاوضات على هذا الأساس، وهو ما يعكس تحولاً واضحاً في موقفها السياسي تجاه هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.
وبالتالي، فإن هذا الموقف الصريح لا يمثل فقط انتصاراً للدبلوماسية المغربية، بل يعكس أيضاً تحولاً في الإرث التاريخي المرتبط بدور كينيا داخل منظمة الوحدة الإفريقية، حيث لعبت سابقاً دوراً في المسار الذي أدى إلى قبول “الجمهورية الصحراوية” عضواً في المنظمة خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما يمنح لهذا التحول بعداً رمزياً يتجاوز مجرد الموقف السياسي الظرفي.
إلى جانب هذه الرمزية، تعد كينيا قوة إقليمية بارزة في شرق إفريقيا، حيث تتميز باقتصاد متنوع وقوي، وتعد نيروبي مركزاً مالياً وتجارياً إقليمياً مهماً، كما يشكل ميناء مومباسا بوابة استراتيجية لدول الجوار الحبيسة، فضلاً عن دورها السياسي في الوساطة الإقليمية ومكافحة الإرهاب، مما يعزز من أهمية موقفها في إعادة تشكيل التوازنات داخل القارة الإفريقية.
3- الاعتراف المالي بمغربية الصحراء بين مواجهة النزوع الانفصالي والتأثير الإقليميأعلنت جمهورية مالي رسمياً في 10 أبريل 2026 سحب اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” والاعتراف بمغربية الصحراء، دعماً لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في خطوة اعتبرت تحولاً تاريخياً يعزز الموقف المغربي وينهي عقوداً من الدعم المالي لجبهة البوليساريو، كما شكلت انتكاسة سياسية لهذه الأخيرة بالنظر إلى رمزية مالي داخل منطقة الساحل.
ويكتسي هذا القرار أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة العلاقة المتوترة بين مالي والجزائر، خاصة في ظل اتهامات باماكو للجزائر بدعم حركات مسلحة ذات نزعة انفصالية في شمال مالي، وهو ما يجعل الموقف المالي منسجماً مع تصورها لوحدة أراضيها ورفضها لأي تدخل خارجي يمس بسيادتها، في سياق إقليمي يتسم بتصاعد التوترات الأمنية والسياسية.
كما يعكس هذا التحول تموقع مالي كفاعل محوري في منطقة الساحل الإفريقي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، وانخراطها في تحالفات جديدة، وسعيها لتعزيز سيادتها الوطنية بعد انسحابها من بعض التكتلات الإقليمية، وهو ما يمنح لموقفها وزناً استراتيجياً في إعادة تشكيل موازين القوى داخل المنطقة.
من هنا يظهر أن اعترافات هذه الدول الثلاث بمغربية الصحراء لا تكتسي نفس أهمية باقي الدول الإفريقية، ليس فقط بحكم حجمها الإقليمي، بل بالأساس بالنظر إلى الرمزية السياسية التي تختزنها مواقفها، وهو ما من شأنه أن يعزز الكفة الدبلوماسية المغربية داخل إفريقيا، التي تمثل عمقاً جغرافياً واقتصادياً وثقافياً للمملكة، في مقابل محاولات معاكسة لتكريس أطروحات انفصالية داخل القارة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك