في فصول جديدة من مسلسل الإخفاق المستمر لكرة القدم الليبية، غادر المدرب السنغالي أليو سيسيه، الذي كان آخر المدربين الذين طمح الجميع فيهم لوضع الكرة الليبية على المسار الصحيح، دون تحقيق أي أهداف تذكر.
فشل المدرب، الذي جرى التعاقد معه بمبالغ ضخمة تصل إلى 125 ألف دولار شهرياً، ليس فقط في تحقيق نتائج إيجابية مع المنتخب الوطني الأول لكرة القدم «فرسان المتوسط»، بل أيضاً في تنفيذ المشاريع التي كان من المفترض أن تُسهم في تطوير اللعبة.
ليس سيسيه وحده من يتحمل المسؤولية، بل إن الفشل الأساسي يكمن في المنظومة الرياضية ككل.
فالاتحاد الليبي لكرة القدم، الأندية، وزارة الرياضة، واللجنة الأولمبية جميعهم يتحملون جزءاً من الفشل المستمر.
الفشل ليس وليد اليوم، بل هو تراكم لعقود من الزمن، ولا أحد يجرؤ على مراجعة أو الاعتراف بالأخطاء، مما يؤدي إلى استمرار الوضع على حاله.
لطالما حلم الجميع بأن تكون كرة القدم الليبية قادرة على منافسة المنتخبات القارية، لكن هذا الحلم بات بعيد المنال في ظل الفوضى الإدارية التي تعصف بالقطاع الرياضي.
فما أن يأتي مدرب عالمي بمشروع طموح، حتى يجري إجهاض هذا المشروع من قبل المعنيين بالشأن الرياضي، ليتحمل خيبة الأمل في النهاية المدرب، على الرغم من أن المنظومة الفاشلة هي السبب الرئيسي وراء كل الإخفاقات.
الإخفاقات المتواصلة منذ 2011بعد ثورة فبراير، مر المنتخب الوطني على 19 مدرباً مختلفاً، بين محليين وأجانب، ومع ذلك لم يحقق الفريق أي تقدم ملحوظ.
من بين هؤلاء المدربين، نجح قليلون في تقديم نتائج تذكر، أبرزهم المدير الفني الإسباني خافيير كليمنتي المتوج باللقب الوحيد في تاريخ المنتخب الوطني الليبي الفائز بلقب الأمم الأفريقية للاعبين المحليين «شان 2014»، كذلك البرازيلي ماركوس باكيتا، الذي قاد المنتخب إلى نهائيات كأس أفريقيا 2012، وكذلك المدرب الوطني عبدالحفيظ أربيش، الذي وصل بالمنتخب إلى نهائي كأس العرب 2012.
لكن، ومع مرور الوقت، تم إجهاض كل المحاولات.
- للاطلاع على العدد «544» من جريدة «الوسط».
اضغط هناأما المدربون الآخرون، فقد فشلوا في تلبية الطموحات بسبب غياب الخطط الاستراتيجية، وتخبط إدارة الاتحاد الليبي لكرة القدم.
كيف للمدربين أن يحققوا النجاح في ظروف صعبة كالتي يعملون فيها، حيث غياب الدعم الإداري والمالي، وغياب البنية التحتية اللازمة لتطوير لاعبين جدد؟إن الفشل الذي يعصف بالمنتخب الوطني يمتد أيضاً إلى فئات الناشئين.
ففي الآونة الأخيرة، خرج منتخبا تحت 15 و17 عاما من المنافسات الإقليمية والدولية بطريقة مذلة، الأمر الذي يزيد من قسوة الواقع الرياضي في ليبيا.
فهذه الفئات هي أساس بناء المنتخب الأول، وإذا كان الوضع بهذا السوء في المنتخبات السنية، كيف يمكن أن نأمل في نتائج إيجابية على مستوى المنتخب الأول؟على مستوى الأندية المحلية، لا يختلف الوضع كثيراً.
الدوري الليبي يضم 36 فريقاً، وهو عدد غير معقول مقارنة بأكبر دوريات العالم.
وفي ظل هذا العدد الضخم من الأندية، فإن مستوى المنافسة يتأثر بشكل كبير، ويقلل من جودة اللاعبين في الدوري المحلي.
كما أن الاتحاد الليبي لكرة القدم يتجه إلى إلغاء الهبوط هذا الموسم، وهو قرار كارثي إذا تم تنفيذه، لأنه سيزيد من تفشي العشوائية ويُغرق الفرق في مستنقع من التخبط والضعف.
سيسيه ينهي عقده بطريقة غير لائقةأما على مستوى المدربين، فإن الاستقالة المفاجئة لأليو سيسيه عبر صفحته الشخصية كانت بمثابة صدمة أخرى لكرة القدم الليبية.
فقد أنهى سيسيه عقده بطريقة غير مهنية، الأمر الذي أربك حسابات الاتحاد الليبي لكرة القدم، الذي كان يواجه صعوبة في دفع مستحقات المدرب، التي تجاوزت خمسة أشهر.
ومع استقالة سيسيه وتعاقده مع منتخب أنغولا في اليوم التالي، تظهر جلياً معالم الإهمال الإداري وعدم قدرة الاتحاد على إدارة الملفات بالشكل السليم.
إن الوضع الحالي يفرض على الجميع أن يتحمل المسؤولية بشكل جماعي.
إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن الفشل سيستمر، ولن نرى أي تقدم ملموس في كرة القدم الليبية.
يجب على الحكومة والاتحاد الليبي لكرة القدم العمل على خلق بيئة احترافية تتيح للمدربين واللاعبين العمل في ظروف جيدة، كما يجب تقليص عدد الأندية في الدوري وتحسين بنيتها.
إن كرة القدم هي صناعة، لا ترفيه فقط، وينبغي على الدولة الليبية أن تتبنى هذه الصناعة بشكل جدي.
يحتاج القطاع الرياضي في ليبيا إلى تغيير جذري، سواء في القيادة أو في طريقة إدارة الأندية والاتحادات.
هذا التغيير لن يأتي بسهولة، ولكنه أصبح أمراً ضرورياً إذا أردنا أن نرى كرة القدم الليبية تتطور وتحقق نتائج أفضل في المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك