»» مقاربة واقعية.
في ظلال “التطرف الإنساني” المتصاعد!كثر الجدل في الآونة الأخيرة حول ظاهرة “التطرف المناخي”، وقد أمست تسير قدما بقدم وجنبا إلي جنب، وربما تسبقه أحيانا، مع ظاهرة “التطرف الإنساني“، الذي يعاني من آثاره أهل الأرض، وأصبحت وصارت ظاهرة أشبه بمنظومة خبيثة للهدم والتدمير، تطال القيم والأخلاق وتتجاوز حدود العقل والزمان.
والأمر الأخطر في تداعيات “التطرف المناخي” تأثيراته السلبية علي حركة الحياة وعلي الإنسان والنبات والحيوان، وعلي مستقبل الكرة الأرضية، والتي كان يطمح أهلها لعالم أكثر أمنا واستدامة وتعاونا في كوكب واحد، ومصير واحد.
ومن الطبيعي الآن أن تري الفصول الأربعة في أسبوع واحد وأحيانا في يوم واحد.
ولسنوات طويلة اعتاد الناس زمنا طويلا علي الثبات النسبي في فصول السنة وصورها المناخية المتوقعة.
وشتان بين زمني “التطرف المناخي” في صورته الطبيعية القديمة وصورته العصرية الذي تسبب في حدوثه وتفاقمه ايادي البشر النازعة نحو “النهم الصناعي” اللامحدود كإحدي أهم جرائم العصر!ويشير “عصر التغير المناخي” غالباً إلى مرحلتين أساسيتين في تاريخ الأرض الحديث: الأولى (طبيعية) بدأت مع العصور الجليدية السحيقة، والثانية (بشرية) بدأت مع الثورة الصناعية وتستمر حتى الآن، حيث أدى حرق الوقود الأحفوري إلى رفع حرارة الكوكب درجة مئوية منذ أواخر القرن الـ19.
وقد شهد عصر التغير المناخي “الأول” (طبيعي/ما قبل الصناعة) تغيرات بطيئة نسبياً ناتجة عن عوامل طبيعية.
ووفقا للعلماء فالأسباب: دورات مدار الأرض (ميل المحور)، النشاط الشمسي، والبراكين.
والنتائج: تبادل بين عصور جليدية وفترات دفء، وقد وثقت بيانات المناخ القديم (عينات الجليد/الأشجار) تغيراً مفاجئاً في المناخ.
أما عصر التغير المناخي الثاني (الحديث/البشري) فكانت بدايته منتصف القرن التاسع عشر (الثورة الصناعية).
والأسباب: زيادة انبعاثات غازات الدفيئةوالميثان، نتيجة الأنشطة البشرية مثل حرق الوقود الأحفوري، إزالة الغابات، والزراعة.
الآثار: ارتفاع درجات الحرارة العالمية، ارتفاع مستوى سطح البحر، تغير أنماط الطقس، ذوبان الجليد، وتهديد الإنتاج الغذائي.
والوضع الحالي: العقد الماضي (2011-2020 ) كان الأكثر دفئاً، مع تسارع في التغيرات المناخية.
وخلال السنوات الأخيرة تطور الأمر من سيء إلي أسوأ.
والخلاصة أن العالم انتقل من تغيرات مناخية بطبيعتها إلى تغيرات سريعة وقاسية مدفوعة بشكل أساسي بالنشاط البشري المتصاعد، واستمرار الحروب وملوثاتها والعدوان الجائر علي البيئة الطبيعية واستنزاف مواردها.
وفي عصرنا الراهن أمسي تغير المناخ القضية الحاسمة، ونحن الآن أمام لحظة وجودية فارقة، فالآثار العالمية لتغير المناخ هي واسعة النطاق ولم يسبق لها مثيل من حيث الحجم، من تغير أنماط الطقس التي تهدد الإنتاج الغذائي، إلى ارتفاع منسوب مياه البحار التي تزيد من خطر الفيضانات الكارثية.
كما أن التكيف مع هذه التأثيرات في الحاضر والمستقبل سيكون أكثر صعوبة وتكلفة، إذا لم يتم القيام بإتخاذ إجراءات جذرية الآن بمشاركة الدول الصناعية الكبري الفاعلة والمتسببة في هذه الكوارث البيئية!
ومع مطلع القرن العشرين ظهرت دعوات لإنقاذ المناخ، ونظمت آلاف المؤتمرات والفعاليات الدولية والإقليمية والمحلية لإنقاذ ما يمكن إنقاذهلكن يبدو أننا ماضون نحو المصير المحتوم، بسبب التداعيات الخطيرة للتغيرات المناخية وعلي رأسها ظاهرة “التطرف المناخي”.
وتشير التقارير إلي أن منطقة الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر المناطق تأثراً بهذه التغيرات، حيث يتوقع أن يشهد طقساً متطرفاً، كما الحال في دنيا السياسة والاقتصاد!
وتتجه غالبية التوقعات نحو حدوث ظواهر جوية حادة ومتكررة، مثل الفيضانات والسيول وموجات الحر وموجات البرد.
هذه الظواهر ستكون أكثر شدة وتكرارًا، مما يؤثر على الحياة اليومية للناس ويزيد من خطر الكوارث الطبيعية.
والتطرف المناخي (Extreme Weather) كما يراه الخبراء، هو حدوث ظواهر جوية غير معتادة، شديدة القوة، أو خارج الحدود التاريخية الطبيعية، مثل موجات الحر والبرد القاسية، الفيضانات، الجفاف، والعواصف العنيفة.
أصبح هذا التطرف سمة مميزة للأعوام الأخيرة، حيث يؤدي لزيادة حدة التقلبات، مثل الانتقال السريع من البرد للأحر، والعكس، مما يسبب أضرارًا بيئية وصحية جسيمة.
ومن أهم مظاهر وأسباب التطرف المناخي:ـ الظواهر الجوية الحادة: تشمل موجات الحرارة المرتفعة، موجات البرد المفاجئة، هطول الأمطار الغزيرة التي تسبب فيضانات، ونوبات الجفاف الطويلة.
ـ عوامل التغير: يعود ذلك لارتفاع حرارة سطح البحر وزيادة معدلات التبخر، مما يعزز قوة المنخفضات الجوية والرياح الصحراوية الساخنة.
ـ التأثير البشري: التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري يزيد من احتمالية تكرار هذه الظواهر وشدتها.
ـ التداعيات المنظورة: تشمل تلف المحاصيل، اشتعال حرائق الغابات، انقطاع الكهرباء، علاوة علي المخاطر الصحية (خاصة بين الأطفال وكبار السن)، وغيرها.
وتواجه العديد من الدول، بما فيها مصر، تقلّبات حادة مع المنخفضات الجوية وتوابعها وهبوب رياح الموسمية بصورة أكثر حدة وتقلب، مثل ظهور رياح “الخماسين “بشكل مبكر، وبصورة غير معتادة أو تداخل الأمطار مع الحرارة الشديدة، مما يمثل نمطًا متطورًا من سلوك الطقس يستوجب الاستعداد للمزيد من المخاطر.
وتعتبر مصر من أكثر المواقع شديدة التأثر بتغير المناخ، مع الزيادة المتوقعة في موجات الحر والعواصف الترابية والعواصف على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط والظواهر الجوية الشديدة.
ويتجه مستقبل التطرف المناخي نحو زيادة غير مسبوقة في حدة ووتيرة الظواهر الجوية القاسية (موجات حر، فيضانات، جفاف) نتيجة استمرار ارتفاع درجات الحرارة، مما يهدد الأمن الغذائي، البنية التحتية، وقدرة المجتمعات على التكيف بحلول عام 2050.
وتعد هذه التقلبات، التي تتسم بعدم الاستقرار وسرعة التحول، نتاجاً مباشراً للاحتباس الحراري، والأنشطة الصناعية المتزايدة.
ولعل من أبرز ملامح مستقبل التطرف المناخي وفقا لرؤي المتخصصين:ـ ارتفاع قياسي في درجات الحرارة: من المتوقع أن تصبح موجات الحر أكثر طولاً وشدة، حيث تشير التقارير إلى تجاوز درجات الحرارة العالمية عتبة الـ 1.
5 درجة مئوية.
ـ اضطراب أنماط الأمطار: سيشهد العالم فيضانات جارفة في أماكن، وجفافاً طويلاً في أماكن أخرى، مما يقلل من قدرة التربة على استيعاب المياه.
ـ أعاصير وعواصف أقوى: تزداد سرعة الرياح وقوة العواصف نتيجة لارتفاع درجات حرارة سطح البحر.
ـ تهديدات للأمن الغذائي: يؤدي الجفاف والتطرف المناخي إلى تلف المحاصيل وانخفاض الإنتاجية، مما يهدد الأمن الغذائي لنحو نصف سكان الأرض.
كما يؤدي لاشتعال الغابات وخسران الغطاء النباتي بفوائده الصحية والبيئية.
ومن الموجع إدراك أن الظواهر الجوية المتطرفة، تتجاوز حدود التكيف مثل موجات الحر عام 2025، حيث فاقت قدرات العديد من الدول والمجتمعات على الصمود والتكيف.
وتبقي محددات المواجهة والتكيف الإيجابي مرهونة بحتمية العمل المناخي الأممي، وتدشين استراتيجيات محددة، مثل “الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر 2050)”، والتي تهدف لخفض الانبعاثات والتحول نحو التنمية المستدامة والاقتصاد الاخضر.
هذا علاوة على الاعتماد عليه مصادر الطاقة المتجددة وتعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، والتوعية والتثقيف، حيث يجب على الحكومات والمنظمات الدولية العمل على توعية الناس بمخاطر التغير المناخي.
وما لا يتنبه العالم فإن العواقب ستكون وخيمة، فالكوارث البيئية ترتبط ارتباطا بتصرفات البشر، وأمست متلازمة وجودية.
ولتدعيم مواجهة التحديات المتصاعدة للتغيرات المناخية في تصوري أن مجرد توصيف الواقع وتفسيره، لن يأتي بالحلول الناجعة نحو تغييره، إلا بتكاتف الضمير الإنساني،وتدشين منظومة أممية متكاملة العناصر وملزمة ولجميع الدول لإحكام الترصد البيئي ومعالجة تأثيرات التطرف المناخي، وتقليل تأثيراته السلبية، مثلما هو الحال في كافة الملفات الإنسانية المعقدة، وكل ما يهم البشر والتي تتطلب اتخاذ إجراءات ومواقف وقرارات حاسمة.
وختاما يجب ألا نغفل ونتذكر ما حذرنا به القرآن الكريم من الآثار العميقة لاختلال التوازن البيئي الناتج عن أنشطة الإنسان، وهو ما يُعرف حالياً بتغير المناخ، في عدة آيات تدعو إلى حماية الأرض وعدم الإفساد فيها.
كما حذر القرآن من عاقبة ومغبة الإفساد في الأرض ولخصت آية سورة الروم الحكاية “من الألف إلى الياء” وحددت ملامح الجرم والعقاب، وهي الأكثر صراحة يقول الله عز وجل “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” صدق الله العظيم (الروم: 41).
ولله الأمر من قبل ومن بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك