لا شئ بلا مقابل مالي، حتى الذكاء الاصطناعي.
رغم عمره القصير، إلا أن الذكاء الاصطناعي فرض نفسه في كل المجالات، صناعة المحتوى، البحث العليم، صناعة الصور، الطب، الصناعة، ومجالات أخرى تتزايد يوم بعد يوم.
تحول الذكاء الاصطناعي إلى طبقة خفية تدير تفاصيل الحياة اليومية.
صار يتسلل بهدوء حتى أصبح أقرب إلى بنية تحتية ذكية لا يشعر بها المستخدم بقدر ما يعتمد عليها.
فهل يمكن أن تتحول هذه النعمة المتاحة مجانا اليوم إلى خدمة باهظة الثمن غدًا.
فكرة غلاء سعر التعامل به ليست بعيدة.
التاريخ الاقتصادي يخبرنا أن كثيرا من الخدمات تبدأ مجانية أو منخفضة التكلفة بهدف الانتشار، ثم يعاد تشكيلها لاحقا ضمن نماذج ربحية.
الشركات تستثمر مليارات الدولارات في بناء أدوات الذكاء الاصطناعي، تكاليف ضخمة لا يمكن دعمها إلى الأبد دون عائد متزايد، مع تزايد الاعتماد على هذه الأنظمة، يصبح لدى الشركات نفوذ حقيقي يسمح لها بإعادة تسعير الخدمة.
تحول الذكاء الاصطناعي إلى أغلى شيء يمكن التعامل به ليس سيناريو بسيطا أو حتميا.
هناك قوى مضادة، أولها المنافسة، من غير المرجح أن تسيطر جهة واحدة على الذكاء الاصطناعي بشكل مطلق، هناك سباق عالمي بين شركات ودول لتطوير بدائل.
المنافسة تميل بطبيعتها إلى خفض الأسعار أو على الأقل منع انفلاتها.
كما أن هناك تدخل من الحكومات، خاصة عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عنصر أساسي في التعليم والعمل والخدمات العامة.
حينها يصبح أقرب إلى مرفق عام، مثل الإنترنت أو الكهرباء، ما يفتح الباب للتنظيم أو الدعم أو توفير نسخ مجانية للمواطنين.
لكن لا يمكن تجاهل احتمال نشوء فجوة طبقية رقمية جديدة.
فقد يظهر نموذج مزدوج، أي نسخة أساسية متاحة للجميع بإمكانيات محدودة، ونسخ متقدمة باهظة الثمن تقدم قدرات أعلى بكثير.
في هذا السيناريو، لن يحرم الناس من الذكاء الاصطناعي، لكن جودة الاستفادة منه ستصبح عامل تمييز اقتصادي واضح، كما الحال اليوم في التعليم أو الرعاية الصحية في بعض الدول.
أما عمن اعتادوا عليه، فمن غير المرجح أن يجدوا أنفسهم فجأة خارج اللعبة.
التعود يولد مقاومة، والمجتمعات عادة لا تقبل بسهولة فقدان ما أصبح جزءا من حياتها اليومية.
إذا ارتفعت الأسعار بشكل مبالغ فيه، سيظهر بديل، سواء عبر شركات منافسة، أو حلول مفتوحة المصدر، أو حتى مبادرات حكومية تعالج المسألة.
التكنولوجيا بطبيعتها تميل إلى الانتشار لا الانغلاق، لأن قيمتها الحقيقية تنبع من الاستخدام الواسع.
الناس غالبا سيقبلون تدريجيا طالما أن القيمة المقدمة تبرر التكلفة، لكنهم سيرفضون إذا شعروا بأنهم أصبحوا رهائن.
إذا تحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، فإن أي محاولة لاستغلال هذا الاعتماد بشكل مفرط قد تؤدي إلى رد فعل عكسي، سواء عبر ضغط شعبي أو تحرك تشريعي أو حتى ثورات تكنولوجية مضادة.
في المستقبل لا احتكار مطلق ولا مجانية دائمة، توازن بين الابتكار والربح والتنظيم.
الذكاء الاصطناعي سيبقى، وتزداد أهميته، لكن شكله الاقتصادي سيبقى ساحة صراع لن يحسم لصالح طرف واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك