من الأوهام التي يحاول الغرب زرعها في عقولنا هذه الأيام، أن إسرائيل هي التي تقود الإدارة الأمريكية إلى شن الحروب في المنطقة، فبنيامين نتنياهو يخطط ودونالد ترامب، المغلوب على أمره، ينفذ.
و»ماذا يفعل الميت مع غسّاله»، كما يقول المثل الشعبي، سوى الخضوع والاستسلام؟ ودليلهم على ذلك هو امتلاك نتنياهو ملفات جيفري إبستين (من صور ومراسلات وفيديوهات)، تفضح الرئيس الأمريكي وزوجته ميلانيا وغيرهما من ساسةٍ ورجال أعمالٍ وأهل فكرٍ وثقافةٍ.
وعلى هذا الأساس، لا يستطيع ترامب توقيف الحرب على إيران، التي بدأها بناءً على رغبة نتنياهو، وسيخضع إلى مخططاته في لبنان، وسيبقى رهينة لمكر إسرائيل وابتزازاتها في غزة، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.
والمصيبة أن تجد من العرب من يصدّق هذه الأوهام، ويبني عليها تحليلاته، ويستدعيها لإثبات صحة رؤيته، واستنتاج استشرافاته، لذلك يمكن القول، إن العقل العربي قاصر في الفهم، سطحي في التحليل، وضعيف في الاستشراف، بالأخص إذا تعلق الأمر بالكيان الصهيوني، إذ، والحال هذه، تتجاذب نظرته إليه جدلية الضعف والقوة، (ضعف الذّات) و(قوة الآخر)، والهزيمة والنّصر، (هزيمة الذّات) و(انتصار الآخر).
وهنا، يتبادر إلى الذهن سؤالان هما: هل حقاً أن ترامب خضع لابتزازات نتنياهو في ما يخص الحرب على إيران؟ وهل أمريكا تحارب من أجل إسرائيل؟الصراع أكبر من إسرائيل، وأكبر من إيران، لأنه صراع بين جبابرة العالم، أمريكا والصين، وما إسرائيل، في نهاية المطاف، سوى أداة وظيفية لتنفيذ الاستراتيجية الأمريكيةلا أنفي أن السياسة الإسرائيلية مبنيةٌ على المكر والخداع، وسياسييها بارعون في الابتزاز، يستغلون أي شيء يمكّنهم من تنفيذ مخططاتهم وتحقيق أطماعهم ومآربهم، ومن ثمّ، لا غرابة، أن يستغل نتنياهو ملفات إبتسين لابتزاز ضحاياه في الإدارة الأمريكية، أو غيرها، لتحقيق مكاسب قد تنقذ حزبه من الهزيمة في الانتخابات المقبلة، أو توّفر له الغطاء لمشاكسة القضاء في قضايا فساده؛ في غزة بمحاولة التنصل من بعض ما جاء في نص الاتفاق مع المقاومة الفلسطينية، وبالسعي إلى الاحتفاظ بالأراضي التي احتلتها مؤخراً في الجنوب اللبناني، وبالتالي، تعطيل عمل الحكومة اللبنانية في إنجاح مشروعها المتمثل في نزع سلاح حزب الله، وحصر السلاح في يد السلطة، وفي إيران بالضغط أكثر على النظام لنيل مزيدٍ من التنازلات في ملفها النووي، وفك ارتباطها بأذرعها في المنطقة العربية، الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان، والحوثي في اليمن.
كل ما سبق قد تجد له وجاهة في التحليل، لكن، من الغرابة، أن يتم ربط كل ما يحدث الآن من حروب في الشرق الأوسط، من غزة إلى لبنان وصولا إلى إيران، بأمن إسرائيل فقط، ولأجل تحقيق مشروعها التخريبي في المنطقة، فهذه رؤية، في الحقيقة، مجانبة للصواب، وتتنافى مع الحقيقة، إذ يتم من خلالها تضخيم القوة الإسرائيلية التي أظهرت معركة الطوفان محدوديتها، وفيها، أي الرؤية، قصور في التحليل والفهم.
ذلك أن اليهود عبّر التاريخ، وفقاً للعقل المؤامراتي، دائماً ما يربط تأثيرهم بأحداث عالمية كبرى هي، في الواقع، أكبر من حجمهم الحقيقي، فهم سبب نشوب الثورة البلشفية، ولهم دور في إسقاط الدولة العثمانية، وتأثيرهم موجود في الحربين العالميتين، الأولى والثانية، وهم وراء هجمات 11 سبتمبر، والفاعل الرئيسي في غزو العراق، وأن مؤامراتهم واضحة في الربيع العربي، أما اليوم فيذهب البعض إلى أن يدهم حاضرة، وبقوة، في اندلاع الحرب ضد إيران.
إن جعل اليهود وراء كل ما يحدث من مآسٍ وأزماتٍ في العالم، هو محاولة لتزييف الحقائق وتزوير الواقع، إذ لا يعدو الأمر كونه تضخيماً لدورٍ هو أكبر من حجمهم، ولعل ذلك يعود، في حقيقة الأمر، إلى أن جبابرة العالم في أي عصر من العصور في حاجة إلى غسل أيديهم من بعض الخزي والعار، الذي قد يشوّه صورتهم، وقد يلحق الفشل بمشاريعهم، وبذلك يعملون على إلصاقه بطرف آخر لديه القابلية والشعور بالرضا، إذا أُسند إليه، فضلا عن ذلك، لكي تبقى إسرائيل القوة التي لا تقهر، ويدها قادرة على أن تطال أي شيء تريده، كيف لا، وهي تتلاعب بزعيم أكبر دولة في العالم، وتؤثر بصورة أو بأخرى في العديد من حكومات الغرب، وبذلك يستمر العرب في هزيمتهم الذاتية، ويبقى التخويف منها قائماً.
وبناء على ما سبق، فإن الحرب التي يشنها ترامب على إيران هي حرب من أجل أمريكا، والاستراتيجية هي استراتيجية أمريكا، وترامب ليس غبياً أو متهوراً، كما يحاول البعض تصويره، بل هو يملك مشروعاً للسيطرة والهيمنة، وأن الصراع أكبر من إسرائيل، وأكبر من إيران بطبيعة الحال، لأنه صراع بين جبابرة العالم، أمريكا والصين، وما إسرائيل، في نهاية المطاف، سوى أداة وظيفية لتنفيذ الاستراتيجية الأمريكية ليس إلا، بل يذهب أبو يعرب المرزوقي، إلى أكثر من ذلك عندما يقرر أن استراتيجية أمريكا في هذه اللحظة قد تجاوزت إسرائيل، الحليف الأول والكنز الاستراتيجي، التي صارت تشكل عبئاً على أمريكا ومعوّقا لمشروعها في إمساك زمام السيطرة.
إن هذه الحرب، كما يبدو، هي معركة في سلسلة من معارك شديدة وقاسية، واختبار لحدود القوة للمتنافسين الحقيقيين على زعامة العالم، أما الصخب الذي تثيره كل من إسرائيل وإيران، والذي يعلو في هذه الأيام، ما هو، في الحقيقة، سوى دليل آخر على أنهما مجرد أداة في لعبة بين الجبابرة.
ومن ثمّة، فالحرب ليست من أجل نتنياهو، كما يسوّق بذلك الإعلام العالمي، وليست من أجل تحقيق حلم إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، كما يحاول العرب إقناع أنفسهم، بل هي من أجل أمريكا لكي تبقى السيدة الأولى في العالم، ومن أجل كبح نمو قوة الصين بالسيطرة على المضائق والممرات المائية، مضيق هرمز كنموذج تفسيري.
وفي الخلاصة أن الصين تدرك هذه الحقيقة، وتدرك أن ما يجري في إيران الآن، ما هو إلا مقدمات للمعركة القادمة والفاصلة التي تحدد من يحوز القيادة في الأخير، وروسيا بوتين تدرك ذلك، كما تعرف أوروبا هذه الحقيقة، وحتى الإسرائيليون يعرفونها، بل متيقنون أكثر من غيرهم من أن حلمهم في الشرق الأوسط انتهى، فقد كتب فصوله الأخيرة طوفان الأقصى، وأن أيام دولتهم باتت معدودة.
فمتى يدرك العرب ذلك، وينتهي هذا الوهم من عقولهم؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك