نيويورك ـ “القدس العربي”:نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالاً لأستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا، الدكتور أسامة مقدسي، أشار فيه إلى أن صورة لجندي من جيش الاحتلال الإسرائيلي وهو يحطم تمثالاً للسيد المسيح في قرية مسيحية جنوب لبنان، أثارت غضباً دولياً واسعاً، وقد اعتذر قادة الاحتلال عن هذا الفعل، لكنهم في المقابل لم يعربوا عن أسفهم لتدمير مسجد في بلدة جنوبية الشهر الماضي، ولا لمدرستها الحكومية، ولا للعنف الشديد الذي مارسوه على لبنان خلال الأسابيع الستة الماضية.
ولفت الكاتب إلى أنه الرغم من وقف إطلاق النار الهش بين لبنان وإسرائيل إلا أن الاحتلال وحزب الله استمرا في تبادل إطلاق النار، بينما دمر جيش الاحتلال عدة قرى شيعية على طول الحدود.
قادة الاحتلال اعتذروا عن تحطيم جندي إسرائيلي لتمثال المسيح في جنوب لبنان، لكنهم لم يعربوا عن أسفهم لتدمير مسجد في بلدة ولا لمدرستها الحكومية، ولا للعنف الشديد الذي مارسوه على لبنان خلال الأسابيع الماضية.
وذكر بأن وقف إطلاق النار الحالي يأتي عقب هجوم وحشي نفذه الاحتلال “أسفر عن مقتل أكثر من 2300 شخص وتشريد أكثر من مليون آخرين.
وقد قُتل أكثر من 350 لبنانياً في غارة جوية مروعة استمرت 10 دقائق على بيروت في 8 نيسان/ أبريل”.
وشدد على أن هذا الهجوم جاء بعد ساعات من إعلان وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن، والذي كان يُعتقد على نطاق واسع أنه يشمل لبنان.
وأكد الكاتب أنه رغم تأثر العديد من الجماعات التي تُشكّل النسيج الغني للتنوع الديني في لبنان بقصف الاحتلال، فإن المدنيين الأكثر تضررا هم من أبناء الطائفة الشيعية في لبنان.
ولفت إلى أن إسرائيل تزعم أنها تستهدف حزب الله، الحزب السياسي والحركة ا المتجذرة في الطائفة الشيعية في لبنان.
لكن أفعالها تجاوزت بكثير مجرد مهاجمة هذه الجماعة، إذ كررت مبدأ العقاب الجماعي الذي طبقته في غزة.
واعتبر الكاتب أسامة مقدسي أن “هذا التكتيك الخبيث والخطير لا يشن حربا على الشعب فحسب، بل على طبيعة المجتمع اللبناني نفسه”.
ولفت إلى أن لبنان الحديث يجسد تاريخا من التعايش الديني يمتد لقرون.
وكما هو الحال في أي بلد متعدد الأديان، فإن هذا التعدد ليس كاملا؛ فلا يزال لبنان يعاني من توترات طائفية أدت إلى حربه الأهلية وما زالت إرثا لها.
وأكد أن دولة الاحتلال تستغل هذه الانقسامات ليس فقط للقضاء على حزب الله، بل أيضا للتوسع على حساب لبنان المتنوع دينيا.
وذكر أنه منذ تأسيسها كدولة ذات أغلبية مسيحية على يد فرنسا عام 1920، حافظ لبنان على نظام حكم طائفي، حيث يُمنح ممثلو كل طائفة من الطوائف الدينية الرئيسية نصيبا من السلطة.
واستمر هذا النظام بعد الاستقلال: فالرئاسة القوية حكرٌ على الموارنة، ومنصب رئيس الوزراء للمسلمين السنة، ومنصب رئيس البرلمان للمسلمين الشيعة.
وقال الكاتب إنه “قبل الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، كان الشيعة مهمشين إلى حد كبير، متمركزين في ريف جنوب البلاد ووادي البقاع”.
وأن قيام دولة الاحتلال عام 1948 جاء على حساب مئات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم من المسلمين السنة والمسيحيين، الذين اقتُلعوا أو طُردوا من وطنهم، ولجأ كثير منهم إلى لبنان.
ولفت إلى أن النخب المارونية حشيت من أن يؤدي الوجود الفلسطيني، ذو الأغلبية المسلمة، في البلاد إلى تحريض المطالبات بإضفاء الطابع الديمقراطي على نظام الحكم غير المتكافئ في لبنان.
كما خشيت من أن منظمة التحرير الفلسطينية المستقلة – التي اتخذت من بيروت مقرا لها عام 1971 وشنّت هجمات من جنوب لبنان لتحرير وطنها – قد تُزعزع استقرار البلاد.
ووفق الكاتب ففي عام 1975، انفجرت هذه التوترات لتتحول إلى حرب أهلية شاملة، وضعت الميليشيات ذات الأغلبية المسيحية، التي أرادت الحفاظ على النظام الطائفي، في مواجهة خصومها المسلمين والفلسطينيين، الذين سعوا إلى إصلاحه أو الإطاحة به.
وأشار إلى أنه قبل وقت طويل من تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، كان أول رئيس وزراء لدولة الاحتلال، ديفيد بن غوريون، قد حدد جنوب لبنان، بما في ذلك نهر الليطاني، كأرض يمكن الاستيلاء عليها لتوسيع حدود “إسرائيل” داخل لبنان.
وعندما غزت إسرائيل لبنان عام 1982، سعت إلى هزيمة منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الوقت نفسه سعت إلى فرض زعيم مسيحي مطيع في لبنان.
وفي صيف عام 1982، حاصر الاحتلال بيروت، وقصف عشوائيا المناطق المدنية، ما أسفر عن مقتل ما يُقدّر بنحو 17000 إلى 19000 شخص.
كما قصفت المستشفيات ومنعت وصول الغذاء والماء والوقود إلى أجزاء من بيروت لإجبار منظمة التحرير الفلسطينية على الانسحاب من لبنان.
وذكر الكاتب بأن حزب الله هو نتاج غزو واحتلال “إسرائيل” لجنوب لبنان عام 1982، وقد نما ليصبح حركة المقاومة الرئيسية في البلاد، مدعوما بعلاقات أيديولوجية ومالية وعسكرية متينة مع إيران.
وأشار إلى أنه في عام 2000، أجبر حزب الله قوات الاحتلال على الانسحاب من جنوب لبنان، وهي المنطقة نفسها التي تحاول “تل أبيب” احتلالها اليوم.
وبحسب الكاتب فعلى مرّ السنين، أصبح حزب الله قضية خلافية داخل لبنان.
ويستاء بعض اللبنانيين من قوة حزب الله، خشية أن يكون قد منح الطائفة الشيعية نفوذا مفرطا، ويؤيد كثيرون نزع سلاحه، كما حظي الحزب بتأييد شعبي واسع، ويُعدّ مصدر فخر للبنانيين آخرين، ولا سيما الشيعة.
وأضاف الكاتب أن حزب الله لا يُقاوم دولة الاحتلال لمجرد كونه منظمة شيعية مدعومة من إيران؛ بل يقاوم في المقام الأول لأن دولة الاحتلال غزت أراضيه مرارا وتكرارا، وأحرقتها، ولأنها هجّرت مجتمعه وروعته.
ولفت إلى أنه في الصراع الحالي، تصاعدت حدة النقاشات اللبنانية حول حزب الله.
ورغم إعلان الحكومة اللبنانية عدم شرعية الجناح العسكري لحزب الله، إلا أن رئيس أركان الجيش يرفض نزع سلاح الحزب بالقوة، خشية أن يدفع ذلك البلاد إلى حرب أهلية شاملة.
وذكر أنه في الأسبوع الماضي، التقت سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة بنظيرها الإسرائيلي في واشنطن، مما أدى إلى وقف إطلاق النار بعد أيام.
ولا يُلزم الاتفاق الاحتلال بالانسحاب من لبنان – إذ لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل مساحات واسعة من الحدود الجنوبية للبنان – ويسمح لها “بالحفاظ على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لما يسمى الدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية”.
توسع دولة الاحتلال في لبنان واستغلالها الواضح للتنوع الديني فيه يُؤكد في نهاية المطاف التزامها بأيديولوجيتها السائدة كدولة يهودية مُلتزمة بإخضاع محيطها الإقليميوشدد الكاتب على أن لبنان لا يملك مثل هذا الحق، ولم يكن حزب الله طرفا في الاتفاق.
وتفتقر الحكومة إلى القدرة على إجبار دولة الاحتلال على الانسحاب، وفي الوقت نفسه، من غير المرجح أن تقنع حزب الله بنزع سلاحه طالما أن إسرائيل تهدد لبنان.
وبحسبه تُدرك إسرائيل هذه الديناميكيات، ولذا فهي تُحاول استمالة الحكومة اللبنانية لاتخاذ إجراءات ضد حزب الله، بينما تُهدد لبنان نفسه وتهاجمه في الوقت نفسه.
واعتبر مقدسي أن توسع دولة الاحتلال في لبنان واستغلالها الواضح للتنوع الديني فيه يُؤكد في نهاية المطاف التزامها بأيديولوجيتها السائدة كدولة يهودية مُلتزمة بإخضاع محيطها الإقليمي: من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى هضبة الجولان السورية، والآن إلى جنوب لبنان.
وشدد على أنه بهذا المعنى، يُعد لبنان نقيضها: دولة تُجسد، وإن كان ذلك بشكل غير كامل، تعددية محلية.
إنها دولة دستورية لجميع مواطنيها من مختلف الأديان، الذين يتشارك معظمهم التطلع إلى العيش معا في حرية وكرامة.
وخلص الكاتب إلى القول إنه “بينما تُهجّر إسرائيل وتُدمّر، يواصل العديد من اللبنانيين الدفاع عن بلادهم، رافضين محاولات تقسيمها.
ومستقبل الشرق الأوسط على المحك: إما الهيمنة على عالم نابض بالحياة ومتعدد الأديان، أو تحدّي هذا العالم في وجه من يسعون إلى تدميره”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك