قررت القاعات السينمائية المغربية الكبرى سحب فيلم “المطرود من رحمة الله” للمخرج هشام العسري من برمجتها، بعد أسبوعين فقط من بداية عرضه التجاري، في خطوة تأتي عقب الجدل الذي رافق العمل منذ طرح إعلانه الترويجي.
وأوضح المخرج هشام العسري، أن الفيلم واجه منذ انطلاقه عراقيل متعددة، مرتبطة أساسا بعنوانه ومضمونه، إضافة إلى تداعيات الدعوى القضائية التي رفعت ضده قبل بدء عرضه ومطالب بعض الجمعيات بمنعه في المغرب.
وقال هشام العسري، في تصريح لـ “العمق”، إن الضغوط لم تتوقف عند حدود النقاش العمومي، بل امتدت إلى مهنيي القطاع، حيث خلق هذا السياق حالة من التحفظ لدى عدد من المتدخلين في القطاع، خاصة مسؤولي القاعات الذين فضلوا -حسب تعبيره- تجنب برمجة عمل يثير نقاشا حادا.
وكشف العسري، أن بعض القاعات طلبت منه تغيير عنوان الفيلم، غير أنه رفض هذا المقترح، معتبرا أن العنوان جزء من رؤية العمل وهويته الفنية، لافتا إلى أن الفيلم مصنف لفئة عمرية تفوق 16 سنة، ما يجعله موجها لجمهور محدد.
وفي قراءته لأسباب السحب، اعتبر المخرج أن منطق السوق يظل العامل الحاسم في قرارات أصحاب القاعات، الذين يمنحون الأفضلية للأعمال ذات الطابع التجاري القادرة على جذب أكبر عدد من المتفرجين في وقت وجيز، مقابل تقليص حضور أفلام “سينما المؤلف”.
وانتقد المخرج واقع توزيع أفلام “سينما المؤلف” في المغرب، معتبرا أنه لا يوفر شروط منافسة متكافئة مع الإنتاجات التجارية، ومشيرا إلى أن البرمجة الزمنية تلعب دورا حاسما في نجاح أو فشل أي فيلم، مبرزا أن عرض العمل في فترات ضعيفة الإقبال، مثل الصباح خلال أيام الأسبوع، لا يمكن مقارنته بعروض المساء أو عطلة نهاية الأسبوع.
واعتبر العسري، أن ما يحدث يدخل ضمن ممارسات غير مباشرة لإقصاء هذا النوع من السينما، رغم أن القوانين المنظمة تفرض عرض الإنتاجات الوطنية داخل القاعات، مضيفا أن بعض القاعات تلجأ -حسب تعبيره- إلى “أساليب ملتوية” للالتفاف على هذا الالتزام، عبر برمجة محدودة زمنيا أو في توقيت غير مناسب، قبل تبرير سحب الفيلم بضعف الإقبال الجماهيري.
ويرى المخرج هشام العسري، أن تجربة عرض فيلمه “المطرود من رحمة الله” بالمركز الفرنسي المغربي لقرابة 15 مرة يكسر الصورة النمطية التي تدعي عزوف المتلقي عن الأعمال المعقدة -فبالنسبة له- هذا النجاح هو مؤشر ملموس على أن سينما المؤلف تمتلك قاعدتها الجماهيرية الخاصة التي تبحث عن العمق الفني وتنتصر للجماليات المختلفة بعيدا عن القوالب التجارية الجاهزة.
وأثار الشريط السينمائي “المطرود من رحمة الله” للمخرج هشام العسري موجة جدل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك قبل موعد عرضه الرسمي بالقاعات السينمائية، إذ خلق تفاعلا متسارعا بين مواقف رافضة للعمل وأخرى مدافعة عنه باعتباره تعبيرا فنيا يندرج ضمن حرية الإبداع.
وجاء هذا الجدل مدفوعا أساسا بمضامين المقطع الترويجي للفيلم، الذي جرى تداوله بشكل واسع عبر الوسائط الرقمية، حيث اعتبرته بعض الجهات متضمنا لمشاهد صادمة تمس بالثوابت الدينية والأخلاقية، في حين رأى آخرون أنه عمل فني يعتمد على أسلوب “الكوميديا السوداء” ويطرح قضايا حساسة بأسلوب نقدي.
وفي هذا السياق، أعلنت جمعية “ربيع السينما” أن رئاسة النيابة العامة قررت إحالة شكايتها المرتبطة بالمقطع الترويجي للفيلم على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في خطوة وصفت بالاستعجالية.
وأوضحت الجمعية، أن هذه الخطوة تأتي بالنظر إلى ما تضمنه المقطع من مشاهد يُشتبه في اندراجها ضمن أفعال مجرمة وفق القانون الجنائي، إضافة إلى ما اعتبرته تعارضا مع توجهات قضائية حديثة تجرم نشر مضامين إباحية في الفضاء الرقمي.
من جهته، واجه المخرج هشام العسري هذه الاتهامات بهدوء مشوب بالانتقاد لما وصفه بـ “الأحكام القيمية المسبقة”، معتبرا في تصريح لـ”العمق”، أن ما يحدث هو أمر “غريب” لكنه لم يعد مفاجئا في السياق المغربي، الذي ينصب فيه البعض أنفسهم قضاة ويصدرون أحكاما على عمل لم يشاهدوه بعد.
ودافع العسري عن فلسفته الإبداعية مؤكدا أن “الفيلم الذي لا يثير الجدل والسجال لم يؤدّ وظيفته”، معتبرا الصدام مع المجتمع جزءا من العملية العلاجية التي يقدمها الفن، تماما كما يحرق الكحول الجرح ليطهره.
وانتقد المخرج ما وصفه بـ “الخطاب التكفيري غير المبرر”، مشددا على أن الإشكال الحقيقي يكمن في محاولة محاسبته على النوايا والأفكار بدلا من العمل الفني في ذاته.
وفي قراءة لا تخلو من خلفيات سياسية، ربط العسري بين توقيت الهجمة التي تعرض لها فيلمه وبين كوننا في “سنة انتخابية”، متهما جهات بسعيها لاستثمار هذا السجال السينمائي كمطية لتحقيق مكاسب سياسية وضمان حضور إعلامي على حساب الإبداع والمبدعين.
ودافع المخرج عن فيلمه الذي اعتبره ثمرة عقد من الزمن من البحث والاشتغال المضني، مشددا على رفضه القاطع لترك مصير مجهود فني طويل بيد من وصفهم بـ”السفهاء” الذين لا يملكون سوى لغة المنع والتحريض.
وعن قصة الفيلم، أوضح العسري أنها تندرج ضمن “الكوميديا السوداء”، وتدور حول كاتب فرنسي فاشل يعاني ضائقة مالية، يجد نفسه أمام فرصة لكسب المال عبر تنفيذ “فتوى” ضد كاتب آخر.
ومن خلال هذه الحبكة، يسعى الفيلم لتسليط الضوء على “وحش الاحتياج”، وكيف يمكن لأي إنسان، بعيدا عن الانتماءات الأيديولوجية، أن ينزلق نحو العنف عندما يوضع في مأزق مادي خانق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك