شهدت العاصمة مقديشو ليل أمس الأربعاء أحداثاً ميدانية استثنائية وضعت استقرار المدينة وحياة ساكنيها أمام تحدٍ حقيقي، مما تطلب تحركاً سريعاً ومدروساً من الأجهزة الأمنية لحفظ النظام العام ومنع تفاقم التوترات الحضرية، إذ إن الحفاظ على السلم الأهلي وحماية الأرواح والممتلكات يمثلان الخط الأحمر الذي تلتقي عليه المكونات الوطنية كافة، بغض النظر عن التباينات في الرؤى والمواقف السياسية.
وأوضح قائد شرطة إقليم بنادر العقيد مهدي عمر مؤمن لـ" اندبندنت عربية" أنه وفقاً للمتابعة الميدانية والبيانات الصادرة عن غرفة العمليات المشتركة، فإن التحركات المسلحة التي شهدتها بعض المحاور الحيوية لم تكُن في سياق احتجاجات مدنية أو تظاهرات سلمية عادية، بل تضمنت تصعيداً ميدانياً استخدمت فيه أسلحة متوسطة وثقيلة، مما شكل تهديداً مباشراً لأمن المربعات السكنية والمقار الخدمية.
ورصدت القوات الأمنية تحركات عسكرية متزامنة ومجموعات مسلحة تحمل قذائف صاروخية ورشاشات ثقيلة، فاندلعت مواجهات في محيط نقاط تمركز تابعة لشرطة العاصمة، وهذا النمط من التحرك يعكس وجود تنسيق عملياتي مسبق سعى إلى إحداث إرباك في المنظومة الأمنية والسيطرة على بعض المقار الرئيسة وسط أحياء المدينة.
وتشير التقديرات الأمنية إلى أن الجهات المحركة لهذه المجموعات كانت تسعى إلى فرض واقع ميداني جديد يتيح لها قضم مربعات أمنية واستخدامها كمراكز نفوذ ثابتة داخل العاصمة، إضافة إلى إيصال رسائل سياسية عبر أدوات عسكرية، مما يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الثقة العامة بقدرة المؤسسات الرسمية على ضبط الأمن وحماية الاستثمارات الحيوية.
وتود قيادة الشرطة إحاطة الجمهور والشركاء السياسيين علماً بأنها تمتلك القدرة الكاملة والمشروعة قانوناً لمراجعة السجلات الرقمية وشبكات كاميرات المراقبة الذكية المنتشرة في كافة شوارع ومحاور العاصمة مقديشو، وتستهدف عملية مراجعة السجلات الرقمية الحالية واللاحقة لرصد الانتهاكات ضد الأفراد والكشف عن أية تجاوزات أو انتهاكات قد ارتكبتها المجموعات المسلحة أو أية عناصر أخرى ضد المواطنين الصوماليين أو المقيمين الأجانب في العاصمة، بما يضمن عدم إفلات أي متجاوز من العقاب، ورصد أية أعمال تخريب أو نهب أو إضرار بالمرافق العامة أو المنشآت الخدمية والبنى التحتية التي تمثل ملكاً جماعياً للشعب الصومالي.
كذلك تود قيادة الشرطة توظيف هذه السجلات الرقمية كأدلة جنائية قطعية أمام النيابة العامة والمحاكم المختصة، مما يضمن سير العدالة بناء على حقائق بصرية موثقة تفصل بدقة بين الجاني والمجني عليه، وتمنع أي لغط أو تأويلات سياسية غير موضوعية، مشددة عبر بيانها على بضرورة التعاون مع الأجهزة الأمنية لضمان الأمن العام والقضاء على أي عمل يهدد استقرار العاصمة ونظامها.
وحفاظاً على سلامة المدنيين وتفادياً لانجرار العاصمة إلى حرب شوارع مفتوحة، اعتمدت خطة الشرطة على التهدئة والتطويق، فنجحت في عزل بؤر الاشتباك وقطع خطوط الدعم اللوجستي عن المجموعات المتحركة، وقد تمكنت قوات الأمن من استعادة السيطرة الكاملة على المحاور كافة وتأمين الطرق الرئيسة والفرعية، مفسحة المجال لفرق التحقيق والتحري لمباشرة مهماتها القانونية.
وأوضح البيان الرسمي لشرطة العاصمة أن هذه التحركات لم تكُن معبرة عن تكتل سياسي موحد أو جبهة ذات رؤية متجانسة، بل قادتها أطراف وأفراد يمثلون" مصالح سياسية متباينة".
وفي التحليل الاستراتيجي لبنية الصراعات الحضرية، يعد التقاء الأطراف المختلفة مصلحياً على هدف مرحلي، ظاهرة معقدة تزيد من سيولة المشهد الأمني، حيث تنظر بعض مراكز النفوذ التقليدية المعتمدة على الأطر العشائرية أو الجهوية إلى تسارع خطى مأسسة الأجهزة الشرطية والعسكرية بعين الريبة، إذ تخشى أن تؤدي هذه المأسسة إلى تراجع دورها التقليدي وقدرتها على التأثير المباشر في القرار المحلي خارج الأطر الدستورية، إضافة إلى تعمد بعض الأطراف السياسية استخدام القوة العسكرية في الشارع كوسيلة لرفع سقف مطالبها خلال المفاوضات المتعلقة بالإصلاحات الدستورية أو الترتيبات الانتخابية، باعتبار أن الاستقرار الأمني الكامل قد يضعف موقفها التفاوضي أمام السلطة المركزية.
كذلك قد يستفيد قطاع الجريمة المنظمة والاقتصاد غير الرسمي من حال التجاذب السياسي، إذ يوفر غياب الانسجام بين القوى السياسية بيئة مثالية لعمليات تهريب والتهرب من الرقابة القانونية، مما يجعل هذه الشبكات مستعدة لتمويل أي اضطراب يطيل أمد الغموض الأمني.
وتؤكد قيادة الشرطة في هذا الصدد أن المعارضة البناءة والتعبير عن الآراء السياسية حق مكفول بالقانون والدستور، إلا أن إقحام السلاح واستخدام القوة العسكرية لفرض وجهات النظر يمثلان خروجاً عن الإجماع الوطني، ومهدداً رئيساً للمسار الديمقراطي الصاعد، إذ تواجه العاصمة مقديشو تحدياً مستمراً يتمثل في الموازنة الدقيقة بين نمطين، نمط فرض السيادة القانونية الكاملة وحصر السلاح بيد الدولة، ونمط استيعاب التوازنات السياسية والاجتماعية المعقدة.
إن فرض النظام لا يمكن أن يحصل عبر الحلول العسكرية الصرفة وحسب، بل يتطلب رؤية أمنية شاملة تأخذ في الاعتبار معالجة مسببات الاحتقان السياسي واحتواء المجموعات المحلية.
فكلما تقدمت شرطة بنادر خطوة نحو تطبيق اللوائح المنظمة للأمن الحضري، واجهت مقاومة طبيعية من قوى اعتادت التحرك في المساحات الرمادية.
وتجري شرطة بنادر التحقيقات حالياً بصورة موسعة بالتنسيق مع جهاز الأمن والاستخبارات الوطني" نيسا" وبإشراف مباشر من النيابة العامة، فينصب التركيز على تتبع شبكات الدعم اللوجستي ومصادر تمويل المجموعات المسلحة.
ويعد ضبط التدفقات المالية غير المشروعة الأداة الأكثر فاعلية للحد من انتشار السلاح غير المنضبط ودعم استقرار المدينة.
وتؤكد قيادة الشرطة أن محاسبة المتورطين في أعمال العنف ستتم وفقاً للأدلة الجنائية والوقائع المثبتة ميدانياً، مع ضمان الحيادية الكاملة وعدم تسييس الإجراءات القضائية.
والهدف إرساء مبدأ الردع العام وتوضيح أن اللجوء إلى السلاح لمواجهة القوات النظامية، مخالفة قانونية جسيمة يعاقب عليها القانون العام للدولة، بغض النظر عن الدوافع أو الخلفيات السياسية لمرتكبيها.
ويعتقد سكان العاصمة بأن بنادر المتضرر الأكبر من أي اضطراب أمني، إذ تؤدي أعمال العنف المباشرة إلى تعطيل الحركة التجارية في الأسواق وتوقف المؤسسات التعليمية، إضافة إلى الأخطار الجسيمة على حياة الأفراد.
ومن هذا المنطلق ترتكز استراتيجية الأمن المجتمعي لشرطة بنادر على محاور رئيسة، من بينها تطوير قنوات التواصل الآمنة عبر تعزيز موثوقية الخطوط الساخنة لتمكين المواطنين من الإبلاغ عن التحركات المشبوهة أو مخازن السلاح غير القانونية وسط الأحياء السكنية من دون مخاوف، وتفعيل دور اللجان المحلية وتعزيز دور مجالس الأحياء والوجهاء في مديريات بنادر الـ17، ورفع الوعي العام بضرورة تحري الدقة واستقاء الأخبار من مصادرها الرسمية لمنع انتشار الإشاعات التي تهدف إلى إثارة الهلع وتعميق الانقسامات الاجتماعية عبر منصات التواصل.
وتشجع شرطة بنادر المبادرات التي تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين السلطات الأمنية والقوى السياسية المختلفة، لإيجاد ميثاق شرف وطني يحظر استخدام السلاح أو الميليشيات في الخلافات السياسية، ويحصر حل النزاعات في القنوات الدستورية والقضائية، والتأكيد على علنية المحاكمات وسرعة بت القضايا المتعلقة بأعمال العنف الأخيرة استناداً إلى الأدلة الرقمية والميدانية المجمعة، لضمان طمأنة الرأي العام وترسيخ دولة القانون التي يتساوى فيها الجميع أمام العدالة، مما يقطع الطريق على أية محاولات لاستغلال الأحداث لإثارة النعرات الجهوية أو العشائرية.
إن قيادة شرطة إقيلم بنادر تقدم هذا التقرير التحليلي الشامل لتؤكد التزامها حماية أمن العاصمة ومواطنيها ومقيميها من دون تمييز أو انحياز، وإن القوات الأمنية هي ملك للشعب الصومالي بأطيافه ومكوناته كافة ومهمتها الأساسية هي توفير البيئة الآمنة التي تسمح بالنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والممارسة السياسية السلمية تحت عين القانون الحارسة والرقابة الفنية اليقظة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك