لا تتوقف السياسة الإسرائيلية عن محاولة طمس الحقيقة وتحييد السردية المضادة، انتهجت في حربها على غزة سياسة تكميم الأفواه بقتل الصحفيين، الذين وصل عدد الشهداء منهم خلال عامين إلى أكثر من 256 ما بين صحفي ومصور صحفي، وقد انتقلت هذه السياسة الهمجية من غزة إلى لبنان بشكل ممنهج لا يحتمل أي لبس، وتعمد سافر لا يأبه بالرأي العام الدولي ولا التنديد والاستنكار المتكرر، فلماذا تعمد إسرائيل إلى مواصلة هذه السياسة لإخراس الأصوات، رغم وصول الصورة والصوت بما ترتكبه من جرائم إلى العالم كله دون جهد يذكر؟ آخر جرائم إسرائيل كان اغتيال الصحفية اللبنانية آمال خليل، التي كانت برفقة زميلتها المصورة زينب فرج، التي نجت بأعجوبة، رغم مطاردة مسيرات وقذائف الاحتلال لهما في كل زقاق حاولتا الاحتماء به أو الاختباء فيه في بلدة الطيري جنوب لبنان أثناء القيام بعملهما.
مشهد طالما تكرر في الحرب الإسرائيلية على غزة طوال العامين الماضيين رغم التحذير والإدانة الدولية، لكن لا شيء تغير في هذا النهج الإجرامي المستمر.
ما يحدث من قتل يومي للصحفيين هو مشهد مؤلم يعكس تغولاً غير مسبوق في استهداف الشهود.
لكن هناك تساؤلاً منطقياً جداً: إذا كانت الصورة قد وصلت بالفعل، فلماذا الإصرار على القتل؟ !هناك عدة أهداف استراتيجية في السياسة الإسرائيلية تجاه الصحفيين في غزة ولبنان، تتجاوز منع الخبر أو انتشاره، لعل أولها منع وتقويض السردية المقابلة، رغم أن الحقيقة تصل إلا أن إسرائيل تسعى دائماً لاحتكار دور الضحية أمام العالم، ويظل الصحفي المحلي (الفلسطيني أو اللبناني) هو القادر على نقل التفاصيل الإنسانية والدقائق الميدانية التي تدحض الرواية العسكرية الرسمية، وغياب هؤلاء كما يصف محمود درويش (الشاهد والشهيد) يعني تحويل المجازر إلى مجرد أرقام جافة بلا وجوه أو قصص، مما يسهل تهميشها بمرور الوقت.
إسرائيل تعتمد سياسة تخويف الشهود، والاستهداف الممنهج الذي وثقته منظمات مثل CPJ أنه وصل لمستويات تاريخية في 2024- 2025 يهدف إلى خلق بيئة عمل مستحيلة.
عندما يدرك الصحفي أن «السترة الواقية» أصبحت هدفاً وليست حماية، فإن ذلك يضغط على الكوادر الإعلامية للتراجع أو الحذر الشديد، مما يؤدي بالتبعية إلى تقليص حجم التغطية النوعية من قلب الحدث.
اعتقاد إسرائيل بأن اغتيال الصورة والصوت من خلال قتل الصحفيين، هو محاولة فاشلة لتدمير الذاكرة والتوثيق الدولي، فالصحفيون اليوم لا ينقلون أخباراً للمشاهدين فقط، بل يجمعون أدلة جنائية (فيديو وصور عالية الدقة) يمكن استخدامها مستقبلاً في المحاكم الدولية، مثل الجنائية الدولية.
وقتل الصحفيين هو محاولة لتعطيل مسار العدالة طويل الأمد، من خلال التخلص من الأشخاص الذين يمتلكون الأرشيف والقدرة على الشهادة.
تعمد إسرائيل على نزع الصفة المدنية عن الصحفيين، وتعتمد استراتيجية «الشيطنة» أو «العسكرة»، حيث يتم اتهام الصحفيين عقب اغتيالهم بالانتماء لفصائل مسلحة دون تقديم أدلة ملموسة.
هذا الإجراء يهدف إلى امتصاص الغضب الدولي عبر الادعاء بأن الاستهداف كان «عسكرياً» وليس «إعلامياً»، وهو ما وصفه خبراء الأمم المتحدة بأنه «نهج خطير يهدف لإسكات الرواية».
إن سياسة الإفلات من العقاب هي العامل الأهم الذي يدفع لاستمرار هذا النزيف، وغياب الردع الدولي الحقيقي يجعل إسرائيل أكثر توحشاً وتجاوزاً للقوانين والأعراف الدولية، ما دامت الإدانات تقتصر على البيانات الصحفية دون إجراءات عقابية أو محاكمات ناجزة، لذا سيظل «ثمن القتل» بالنسبة للقرار العسكري الإسرائيلي منخفضاً للغاية، مقارنة بـ«ثمن بقاء الحقيقة» حية.
باختصار، الإصرار الإسرائيلي على القتل الممنهج والملاحقة المتواصلة ضد الصحفيين ليس لمنع الحقيقة من الخروج لأنها خرجت بالفعل، بل هو انتقام من الناقل ومحاولة لرفع كلفة ممارسة الصحافة إلى حد الموت، لضمان ألا يجرؤ أحد في المستقبل على توثيق ما تصفه المنظمات الحقوقية بجرائم حرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك