عمان- في عالم العلاقات الإنسانية، تتكرر الأسئلة ذاتها: لماذا يرحل بعض الأشخاص من حياتنا؟ ولماذا نحاول التمسك بمن اختاروا المغادرة؟ هنا يظهر مفهوم" الطاولة الفارغة" كاستعارة بسيطة لكنها عميقة، تفسر كيف تتشكل علاقاتنا وكيف تتغير مع الوقت.
اضافة اعلانمفهوم" الطاولة الفارغة" في العلاقات، يقوم على نظرة فلسفية بإعطاء كل شخص في حياتنا المساحة التي يستحقها، بحيث نملأ هذه الطاولة من خلال المواقف التراكمية الإيجابية التي تعكس قيمة العلاقة.
تلك الفكرة تقوم على فكرة أشبه بطاولة نحن من نديرها، نختار من نجلسه حولها، ونحدد كيف تدار الأحاديث والمساحات فيها.
البعض يأتي ليشاركنا لحظات مهمة، يضيف حضورا ومعنى، ثم يغادر عندما تنتهي مرحلته، وآخرون قد يطول بقاؤهم أو يقصر، لكن وجودهم يظل مرتبطا بمدى انسجامهم مع هذه الطاولة.
توضح مدربة المهارات الحياتية والعلاقات هديل حسنات، أن الفكرة هنا ليست في الفراغ بحد ذاته، بل في إدراكنا أن تغيير الجالسين أمر طبيعي، وأن إدارة الطاولة تتطلب مرونة ووعيا بأن ليس كل من حضر سيبقى، وليس كل مقعد فارغ يعني خسارة، بل قد يكون مساحة جديدة يعاد فيها ترتيب العلاقات بما يتناسب مع المرحلة المقبلة.
وتؤكد حسنات أن جميع الأشخاص في الحياة يؤدون أدوارا مؤقتة، وأننا جميعا مؤقتون في حياة بعضنا بعضا، بينما تبقى الرسائل التي نمنحها لبعضنا بعضا الأثر الدائم.
الطاولة التي نجلس حولها تشبه الحياة، يجلس حولها أشخاص مختلفون، بعضهم يبقى لسنوات طويلة، بعضهم يحضر لفترة محددة، وآخرون يمرون مرورا سريعا.
هذا التنوع ليس عشوائيا، بل يعكس طبيعة الحياة المتغيرة وتطور الإنسان نفسه، حيث تتبدل الأولويات وتتغير المساحات التي نمنحها للآخرين مع مرور الوقت.
فكل مرحلة من حياتنا تفرض نوعا مختلفا من الحضور، وتستدعي أشخاصا ينسجمون مع ما نعيشه في تلك اللحظة.
لكن السؤال الأهم، هل كل من يجلس على الطاولة يستحق هذا المكان؟ هنا يبدأ الوعي بدورنا كمديرين لهذه الطاولة، ليس فقط في استقبال من يأتي، بل في تقييم من يستمر، ومن لم يعد وجوده يضيف أو ينسجم مع شكل الطاولة الحالي.
فليست كل العلاقات وجدت لتدوم، ولا كل من جلس يوما كان من المفترض أن يبقى، بل إن إعادة ترتيب المقاعد أحيانا جزء طبيعي من الحفاظ على توازن الطاولة نفسها.
عندما يغادر شخص هذه الطاولة، غالبا ما تكون ردة فعلنا فورية نحاول اللحاق به، نسأل لماذا رحل، ونبحث عن طريقة لإقناعه بالعودة، وكأن بقاءه جزء أساسي من توازن هذه الطاولة.
هذا التفاعل لا يأتي من فراغ، بل يرتبط بطريقة إدراكنا للعلاقات ودورنا فيها، حيث نشعر أحيانا أن مغادرة أحدهم تعني خللا يجب إصلاحه، لا مجرد تغيير طبيعي في الجالسين حولنا.
لكن من زاوية مختصين في علم النفس، يمكن فهم هذا السلوك عبر نظرية التعلق، التي تفسر لماذا يتعلق بعض الأشخاص بسرعة، ويخافون من الفقد، أو يلاحقون من يبتعد عنهم في محاولة لإعادة الشعور بالأمان والاستقرار.
فالعلاقة هنا لا تكون فقط مع الشخص، بل مع الإحساس الذي يخلقه وجوده على الطاولة، ما يجعل فكرة غيابه تبدو أكبر من مجرد مغادرة عابرة.
وترى حسنات أن التمسك بشخص اختار المغادرة يعكس غياب تقدير الذات والثقة بالنفس والوعي، وتشدد على أن الشخص الذي يقرر الخروج من حياتنا تكون رسالته قد انتهت، وأن مغادرته تفتح المجال لدخول أشخاص جدد.
وتضرب مثالا بأصدقاء الجامعة الذين يكونون الأقرب خلال تلك المرحلة بحكم اللقاء اليومي، ثم تتغير طبيعة العلاقة لاحقا.
ملاحقة الشخص الذي غادر لا تعني بالضرورة ضعفا، بل قد تكون نمطا نفسيا مرتبطا بالخوف من الرفض أو الوحدة أو الحاجة للتقدير، وهي مشاعر إنسانية طبيعية تظهر عندما نهتز أمام فقدان حضور اعتدناه.
ومع ذلك تبقى الحقيقة الصعبة ليس كل رحيل خسارة، بل قد يكون أحيانا إعادة ترتيب غير مرئية للطاولة، تفسح المجال لعلاقات أكثر انسجاما مع ما نحتاجه فعلا، وتعيد تعريف من يستحق أن يبقى حاضرا فيها.
وفي تفسيرها لسبب التمسك بمن يغادرون، توضح حسنات أن كثيرا من العلاقات اليوم لا تقوم على الوعي أو النضج، بل على تلبية الحاجات، ما يؤدي إلى التعلق.
وتعتبر أن التعلق بشخص راحل يدل على نقص عاطفي، لأن التعلق في جوهره حاجة، بينما يفترض أن تكون العلاقات قيمة مضافة للحياة، لا وسيلة لسد الفراغ العاطفي مثل الحاجة للحب أو الحنان.
وتلفت إلى أن وعي الإنسان وعقده النفسية ومعتقداته تلعب دورا في تفسيره للعلاقات والشعور بالنقص، وتشير إلى أن الإنسان الواعي لا يطلب من شخص غادر أن يعود، بل يتقبل الأمر ويرى فيه فرصة لبداية جديدة.
الكرسي الفارغ ليس دائما فراغافي كثير من الأحيان، يكون الكرسي الفارغ رسالة وليس نقصا.
هو مساحة تخلق من جديد، مساحة لأشخاص أكثر توافقا، أو لعلاقات أكثر نضجا، أو حتى مساحة للشخص الذي نصبحه مع مرور الوقت.
فغياب أحدهم لا يعني دائما فقدانا بقدر ما قد يكون إفساحا لمعادلة مختلفة، تتناسب مع مرحلة جديدة من الوعي أو الاحتياج.
أحيانا المكان الفارغ هو المكان الصحيح لأنه يحرر الطاولة من حضور لم يعد منسجما معها، ويمنحها فرصة لإعادة التوازن بشكل أكثر هدوءا ووضوحا.
وهنا، تتقاطع هذه الفكرة مع ما طرحه الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، الذي رأى أن الإنسان يتشكل من خلال تجاربه، فكل علاقة حتى إن كانت مؤقتة تترك أثرا في طريقة فهمنا لأنفسنا وللآخرين.
فالأشخاص الذين مروا على طاولتنا، سواء بقوا أو غادروا، لا يختفون تماما، بل يسهمون في تشكيل اختياراتنا اللاحقة، وفي الطريقة التي نعيد بها ترتيب هذه الطاولة.
بذلك لا يكون الفراغ نهاية، بل جزءا من عملية مستمرة من التشكل، حيث تتحول التجارب إلى وعي، والوعي إلى قرارات أكثر انسجاما مع ذواتنا المتغيرة.
وفي سياق تأثير التجارب، تتفق حسنات مع طرح الفيلسوف جون لوك، بأن الإنسان يتشكل بنسبة 100 % من تجاربه، وأن أثر التجربة هو ما يحدد طريقة إدراكه للحياة، وتؤكد أنه لا يمكن فهم أي تجربة قبل خوضها فعليا.
من زاوية النمو الشخصي، يرتبط مفهوم الطاولة الفارغة بفكرة وضع الحدود.
فالطاولة هنا لا تمثل فقط العلاقات، بل تمثل أيضا من نسمح له بالاقتراب، ومن نختار إبعاده، وكيف نحدد المسافة المناسبة لكل شخص يجلس حولها.
هذه الحدود ليست قاسية أو إقصائية، بل هي أداة لتنظيم الحضور، بحيث تبقى الطاولة مساحة مريحة ومتوازنة لا مزدحمة بما يفوق قدرتنا على الاحتواء.
وتقول حسنات إن الفراغ بعد انتهاء العلاقات يمثل فرصة، لكنها تصفه في الوقت ذاته بأنه العدو الأول للعقل البشري، موضحة أن العقل إذا لم يشغل بما هو مفيد سينشغل بأفكار غير مهمة، ما يعزز التعلق والقلق.
وفيما يتعلق بكيفية معرفة انتهاء دور شخص ما في حياتنا، ترى حسنات أن ذلك يتحقق عندما يقرر هذا الشخص المغادرة أو تفرض الحياة ابتعاده، معتبرة أن هذه إشارة إلى انتهاء دوره.
أما تقبل فكرة أن بعض العلاقات لا يمكن إصلاحها، فتربطه بالتسليم وتقبل أن الإنسان الآخر لا يمكن تغييره، بل إما أن يقبل كما هو أو يترك، وتؤكد أن الانسحاب من علاقة لا تناسبنا هو التصرف الطبيعي.
وتضيف أن وضع الحدود يعني أن نمنح المكان لمن يضيف، وأن نقلل المساحة لمن لم يعد حضوره مناسبا، من دون شعور بالذنب أو التردد، لأن الحفاظ على توازن الطاولة يبدأ من وضوح قراراتنا تجاه من يبقى ومن يغادر.
فكرة الطاولة الفارغة تتقاطع مع مفاهيم فلسفية أوسع، مثل تقبل التغيير وعدم التعلق، وهي أفكار نجد صداها في كتابات فريدريك نيتشه الذي تحدث عن التحول المستمر للإنسان وأنه لا يوجد ثبات حقيقي في الهوية أو العلاقات.
فكما يتغير الإنسان في أفكاره ومشاعره وتجربته، تتغير أيضا طبيعة الأشخاص الذين ينسجم معهم، وتتبدل الأماكن التي يشعر فيها بالراحة والانتماء.
بمعنى آخر، ما يناسب اليوم قد لا يناسب غدا، ليس لأن هناك خطأ بالشخص أو في الآخرين بل لأن التغيير جزء أساسي من مسار الحياة.
وهذا ما يجعل الطاولة في حالة حركة دائمة لا تستقر على شكل واحد ولا تحتفظ بنفس الجالسين إلى الأبد.
تقبل هذه الفكرة لا يعني التقليل من قيمة العلاقات، بل فهمها ضمن سياقها الزمني كأجزاء من رحلة مستمرة تتبدل فيها الخيارات كما تتبدل النسخة التي نصبحها مع مرور الوقت.
الحياة لا تترك الأماكن فارغة عبثا، بل تعيد ترتيبها باستمرار وفق إيقاع يتغير معنا ومع ما نمر به.
فالمقاعد لا تبقى شاغرة طويلا، بل تتحرك بهدوء لتأخذ شكلا جديدا يعكس المرحلة التي نعيشها.
هل الفراغ فرصة أم مجرد تعزية؟رغم الطابع الإيجابي للمفهوم، يطرح سؤال نقدي نفسه: هل دائما علينا أن نترك من يرحل ومتى يجب أن نحاول الحفاظ على العلاقة؟ هذا السؤال لا يأتي لإلغاء فكرة التغيير بل لوضعها في إطار أكثر توازنا، حيث لا يكون الرحيل قاعدة مطلقة ولا التمسك خيارا تلقائيا.
وترى حسنات أن الفراغ فرصة لإعادة بناء الذات واستقبال علاقات أكثر صحة لكنه ليس دائما سهلا أو مريحا.
أحيانا يكون مؤلما ومربكا ويتطلب وقتا لفهمه والتأقلم معه قبل أن يتحول إلى معنى واضح.
لذلك لا يمكن التعامل معه كحالة واحدة ثابتة، بل كتجربة تختلف من موقف لآخر ومن علاقة لأخرى.
وهنا تكمن الموازنة، ليس الهدف أن نتعود الفقد ولا أن نفهم متى نتمسك ومتى نترك بناء على ما تعنيه العلاقة لنا في لحظتها الحالية، وليس فقط بناء على ذكرياتها أو خوفنا من نهايتها.
التحول الحقيقي لا يكون في منع الرحيل بل في فهمه.
فكل علاقة تحمل معنى حتى وإن كانت مؤقتة وكل حضور يضيف شيئا إلى التجربة الشخصية بطريقة أو بأخرى.
بدل التعلق يمكن أن نتعلم أخذ ما هو مفيد من كل تجربة والتعامل مع نهاياتها كجزء طبيعي من اكتمالها لا كخلل فيها.
بهذا الشكل، يصبح تقبل النهايات من دون إنكار الألم خطوة نحو وعي أكثر هدوءا والاستمتاع بالحضور بدل الخوف من الغياب طريقة للعيش داخل العلاقة من دون ضغط فقدانها مسبقا.
في النهاية، ليست كل المقاعد الفارغة خسارة وأحيانا يكون الفراغ هو ما نحتاجه لنرى بوضوح من يستحق أن يجلس على طاولتنا.
فالعلاقات مثل الحياة ليست ثابتة، بل حالة مستمرة من الحركة بين الامتلاء والفراغ وبين اللقاء والوداع بما يجعل كل مرحلة جزءا من الصورة الكاملة لا خارجها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك