واشنطن ـ «القدس العربي»: شهد المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الماضية تقلبات حادة عكست هشاشة التفاهمات القائمة وتعقيد الحسابات السياسية والأمنية المحيطة بالملف النووي والتصعيد الإقليمي، وسط تداخل بين المسارات التفاوضية والتوترات العسكرية والاقتصادية في واحد من أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط.
ففي الوقت الذي كانت فيه التوقعات تشير إلى إمكانية عقد محادثات جديدة في إسلام آباد، تراجعت هذه الترتيبات بشكل مفاجئ، من دون وضوح حاسم بشأن مستوى التمثيل أو حتى ما إذا كان نائب الرئيس الأمريكي جيه.
دي فانس سيقود الوفد الأمريكي إلى العاصمة الباكستانية.
وبالتوازي، أبدت طهران بدورها تحفظات على المشاركة، في ظل اتهامات متبادلة حول شروط مسبقة وإجراءات وصفتها إيران بأنها «غير مقبولة»، وفق ما نقلته وسائل إعلام رسمية.
ورغم هذا الجمود، جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتمديد وقف إطلاق النار ليضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد.
فقد أعلن ترامب موافقته على التمديد، مبررًا ذلك بأن القيادة الإيرانية «تعاني من انقسامات خطيرة»، على أن يستمر التوقف «حتى تقديم مقترحها».
غير أن هذا التمديد لم يبدّد المخاوف من أن يكون مجرد هدنة مؤقتة في سياق تصعيد أوسع، خاصة مع استمرار القيود والحظر الأمريكي المرتبط بمضيق هرمز، وهو شريان حيوي لتدفق الطاقة العالمية.
ويأتي هذا التطور في ظل سياق إقليمي متوتر، بلغ ذروته مع إغلاق مضيق هرمز بشكل مؤقت عقب وقف إطلاق النار، في خطوة اعتبرها مراقبون انعكاسًا مباشرًا لتشابك القرار العسكري مع الحسابات السياسية.
ويُنظر إلى هذا الإغلاق باعتباره تتويجًا لمسار أمريكي اتسم، بحسب محللين، بالتناقض الاستراتيجي وغياب الوضوح في الأهداف النهائية، حيث تداخلت رسائل التصعيد مع دعوات التفاوض في وقت واحد.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز أسلوب ترامب التفاوضي بوصفه عنصرًا محوريًا في إعادة تشكيل ديناميكيات الأزمة.
فمن جهة، أطلق تهديدات شديدة اللهجة في مراحل سابقة، تحدث فيها عن إمكانية «تدمير كامل» للبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك الجسور ومحطات الطاقة، في حال استمرار التصعيد.
ومن جهة أخرى، روّج لفكرة تحقيق «يوم عسكري عظيم» أو «اتفاق تاريخي»، ما جعل خطابه يبدو أقرب إلى مزيج من الردع العسكري والدعاية السياسية أكثر من كونه استراتيجية دبلوماسية متماسكة.
وكما انعكس هذا التناقض بين التصعيد اللفظي والوعود التفاؤلية في مقارناته المتكررة بالاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.
فقد شدد ترامب على أن أي اتفاق جديد في عهده سيكون «أفضل بكثير» من اتفاق إدارة باراك أوباما، واصفًا الاتفاق السابق بأنه «واحد من أسوأ الاتفاقات على الإطلاق».
لكن منتقدين يرون أن هذا الخطاب يركز على البعد الرمزي والسياسي أكثر من تقديم بديل عملي قابل للتنفيذ.
وفي المقابل، يرى محللون في السياسة الخارجية أن الواقع الميداني والدبلوماسي أكثر تعقيدًا بكثير من هذه الوعود.
فالاتفاق النووي السابق استغرق قرابة عامين من المفاوضات الدقيقة، وشارك فيه مئات الخبراء في مجالات التقنية النووية والعقوبات والأنظمة المالية الدولية، وانتهى إلى صيغة تقوم على تقييد البرنامج النووي الإيراني بشكل صارم مقابل رفع تدريجي للعقوبات وإتاحة عمليات تفتيش دولية.
لكن منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018، دخل الملف النووي مرحلة جديدة من التصعيد.
وتشير التقديرات الحالية إلى أن إيران باتت تمتلك مخزونًا من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المئة، وهو مستوى يقترب من العتبة التقنية اللازمة لإنتاج سلاح نووي، ما يرفع منسوب القلق الدولي ويقلّص هامش التفاوض مقارنة بالوضع السابق.
وتحذّر أصوات أكاديمية ومراكز بحثية من أن الفجوة الحالية تجعل من الصعب تصور إمكانية التوصل إلى اتفاق «أفضل» من الاتفاق السابق، خصوصًا في ظل تراجع الثقة المتبادلة.
كما يشير خبراء إلى أن ارتفاع مستويات التخصيب يقلص ما يُعرف بـ«زمن الاختراق»، أي الوقت اللازم لإنتاج سلاح نووي إذا اتخذ القرار السياسي بذلك، وهو ما يزيد من حساسية أي مفاوضات قادمة.
ورغم نفي إيران المتكرر سعيها لامتلاك سلاح نووي، فإن هذه التصريحات لا تحظى بثقة واسعة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول الأوروبية، ما يعمّق فجوة الإدراك بين الأطراف.
في المقابل، يقدّم أنصار إدارة ترامب قراءة مختلفة للمشهد، تقوم على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية، بما في ذلك العقوبات والحصار البحري، أضعفت إيران بشكل كبير، ودفعتها إلى البحث عن مخرج تفاوضي.
ويشير هذا الطرح إلى أن طهران قد تكون مستعدة لتجميد برنامجها النووي لفترة طويلة، وربما لسنوات، مقابل تخفيف العقوبات وإعادة إدماجها اقتصاديًا.
غير أن هذه القراءة تصطدم بتقديرات أخرى تؤكد أن إيران، رغم الضغوط، ما زالت تحتفظ بقدرات ردع مهمة، بما في ذلك قدرتها على التأثير في الملاحة بمضيق هرمز، وهو ما يمنحها ورقة ضغط استراتيجية في أي مفاوضات.
سياسيًا، لا يبدو أن أيّا من الطرفين مستعد لتقديم تنازلات كبيرة من دون مقابل واضح.
فالموقف الإيراني، كما عبّر عنه مسؤولون في طهران، يقوم على رفض «التفاوض تحت التهديد»، مع التأكيد على أن البلاد أعدّت «خيارات جديدة على الأرض».
وفي المقابل، يواصل ترامب طرح شروط قصوى تتضمّن ملفات شديدة التعقيد، بعضها مرتبط ببرنامج الصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي، وهي قضايا تتجاوز إطار الاتفاق النووي السابق.
وفي خضم ذلك، تتزايد المخاوف من أن يؤدي غياب الاستقرار في الموقف الأمريكي إلى إضعاف العملية التفاوضية برمتها.
إذ يرى منتقدون أن التذبذب بين التصعيد والتهدئة يخلق حالة من عدم اليقين، ويقوّض القدرة على بناء الثقة، وهي عنصر أساسي في أي دبلوماسية ناجحة.
كما أن استمرار ربط الملف الإيراني بالاعتبارات الداخلية الأمريكية، بما في ذلك الحسابات الانتخابية، يضيف طبقة إضافية من التعقيد، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية داخل الولايات المتحدة.
إلى جانب ذلك، تشير تحليلات إلى أن التوتر في مضيق هرمز لا يؤثر فقط على الحسابات العسكرية، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، حيث يهدد سلاسل إمداد الطاقة ويرفع أسعار الوقود، ما ينعكس مباشرة على المستهلكين والأسواق الدولية.
في المحصلة، يبدو أن المشهد الدبلوماسي بين واشنطن وطهران يقف عند نقطة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الطموحات السياسية مع القيود الواقعية، وتتصادم الوعود الكبرى مع تعقيدات ميدانية عميقة.
وبينما يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي، يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كان بالإمكان فعلًا تحويل هذا التصعيد المتكرر إلى مسار تفاوضي مستقر، أم أن المنطقة تتجه نحو دورة جديدة من التوتر الممتد؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك