ما يزال النقد العربي يتعامل مع الرواية البوليسية كما لو أنها جنس أدبي أدنى منزلة، ويتكرر القول لدى بعض فئات المثقفين بانه جنس أدبي ممتع، لكن ليس «جاداً» بما يكفي؛ ومحكم أحياناً، لكن لا يبلغ منزلة الرواية التي تحمل أسئلة الهوية والتاريخ والهزيمة والمنفى والاستبداد.
وهكذا، فقد وُضعت هذه الرواية البوليسية طويلاً في خانة التسلية، وليس في خانة الأدب المحترف الذي يزاحم أجناس الأدب في قلب المؤسسة السردية.
وهذا ليس مجرد اختلاف في الأذواق، بل إنه خلل عميق في تصور الأدب وفي المعايير التي يُوزَّع بها الاعتراف بالأدبيات داخل مؤسسة الثقافة العربية.
لكن الرواية البوليسية ليست حكاية عن قاتل ومحقّق وقرائن واكتشاف المجرم في الصفحة الأخيرة.
هذا تعريف سطحي خطير.
أما التعريف العميق فيقول إنها الرواية التي تجعل الحقيقة موضوعاً للسرد، كما وتجعل السرد معركة ضد الخداع والتمويه وفساد السلطة والاحتيال.
لا تبدأ هذه الرواية من الجريمة بوصفها ساحة إثارة، بل تبدأ من العالم بوصفه مشتبهاً فيه أو شريكاً في الجريمة أو مسبباً أو محرضاً عليها.
ولهذا فإن التردد العربي أمام هذا الجنس الأدبي يكشف مأزقاً نقدياً أكثر مما يكشف ضعفاً سردياً.
كيف صار التشويق تهمة نقدية؟لقد ورثت الثقافة العربية الحديثة نموذجاً هرمياً متزمتاً وهي تنظر إلى الأجناس الأدبية.
ومنذ بوادر النهضة، حُمِّلت الرواية أعباء الإصلاح والوعي ومقاومة الاستعمار وتمثيل الجماعة إضافة إلى حمل الأسئلة الكبرى للتاريخ العربي وتفكيكها، وتبع ذلك استيراد جزء لمفاهيم عن الالتزام الايديولوجي والاشتباك الثقافي.
ولهذا السبب نشأ شكّ مزمن في كل أدب يتمتع بالتشويق، أو يحتمل الإثارة، ويكون واسع الانتشار، قادرا على اجتذاب القارئ من دون رافعة ثقيلة من التراث النقدي، وكأن الأدب الجيد، في الذائقة العربية الموروثة، يجب أن يكون بطيئاً، متجهّماً، مثقلاً بالتأملات والموضوعات الكبرى والفلسفة العميقة.
لهذا السبب، تبدو الرواية البوليسية وكأنها مذنبة لأنها تعرف كيف تُقرأ: تضبط إيقاعها، تمنع الترهل، وتجعل القارئ شريكاً في التفكير والتوقع والاستنتاج وبالتالي صناعة المعنى.
وهنا تكمن المفارقة: نعاني من ثقافة تشكو عزوف القراء تحتقر الأجناس القادرة على صناعتهم، ونقد موروث أو روتيني انطباعي يتباكى على ضعف البناء في الرواية العربية لكنه يتردد في الاعتراف بجنس أدبي يقوم أصلاً على صرامة البناء.
من أكثر الأوهام شيوعاً لدى عدد من النقاد أن التشويق يناقض العمق، مع أنه، حين يكون تشويقا فنياً، فإنه لا يكون مجرد خدعة سردية أو حيلة، بل فنّاً في توزيع المعرفة داخل الرواية، وضبطا محكما للزمن، ومهارة في بناء التوتر، إضافة إلى إشراك القارئ في أسئلة النص.
لذلك تغدو الرواية البوليسية مدرسة صارمة في السرد.
هذه الرواية تتمتع بامتياز انها تكشف كسلاً في بعض الروايات «الرفيعة» التي تزهو بلغة براقة وتأملات كثيفة، لكن الحدث فاتر، والصراع هش، والشخصيات لا تعيش بقدر ما تنطق بأفكار مؤلفها.
وكثير من هذه الأعمال يمكن حذف صفحات منها دون أن ينهار بناؤها، لأن الخلل في المعمار وليس في اللغة.
هنا تتفوق الرواية البوليسية: لأنها الأشد انضباطاً، وبذلك لا تسمح للكاتب أن يحتمي طويلاً وراء فخامة العبارة أو ضخامة القضية.
من تشريح الجثة إلى بنية العالمتحتمل الأعمال الكبرى في الأدب العالمي أحياناً بعضا من الاختصار أو الاختزال بدون أن تخسر شيئاً من عظمتها.
فالعظمة لا تعني دائماً الاختزال الأدبي الصارم.
أما الرواية البوليسية المحكمة فلا تملك هذا الترف؛ إنها بناء دقيق قد يختلّ إذا زادت فيه معلومة ما، أو ربما نقصت من موضعها.
لهذا السبب تبدو أعمال مثل روايات أغاثا كريستي درساً في الانضباط: ففيها تجد أن كل تفصيل له وظيفة، وكل صمت وفق حساب معين، وكل غموض إنما هو جزء من المعمار السردي.
كما أن التشويق والتحقيق عند تشاندلر وهامِت وسيلة لكشف فساد المدينة الحديثة وليس مجرد لعبة تشويق، إنه ضروري في موقع يتشابك فيه المال والسلطة والرغبة.
وبذلك يظهر أن العمق منضبط، وأن الفكرة محكمة داخل الحبكة، ولهذا يزداد أثرها.
إضافة لما سبق فإن الجثة في الرواية البوليسية الجيدة، لها مكانتها، إنها علامة على عطب عميق في العالم والإنسان والنسج القيمي للبشر، لذلك فهي تفضح البنية المكانية والاجتماعية والأخلاقية التي صنعت الجريمة ثم حاولت إخفاء القاتل أو يسّرت له ذلك.
لذلك يتجلى السؤال البوليسي الحقيقي في: من قتل؟ وما الذي جعل هذا القتل ممكناً؟يمكن تفسير ازدهار الرواية البوليسية في أوروبا وأمريكا ونسبته إلى الشروط التاريخية التي سمحت لهذا الجنس أن يولد ويتجذر وينمو.
فالرواية أولا بمجملها ابنة المدينة الحديثة، بينما الرواية البوليسية ابنة القانون الحديث، والشرطة، والمحكمة، والملف، والشهادة، والتحقيق.
أي إنها ازدهرت في سياقات راكمت فيها الأمم ثقة، ولو بدرجة ما، بإمكان الوصول إلى الحقيقة، ومن باب النضوج أو الرقي أن هذه الامكانية باتت بحد ذاتها موضعاً للنقد وتلقي العبر لبناء نموذج متقدم في إعادة التحقيق، أو حتى التحقيق في التحقيق.
أما في كثير من الحالات العربية، فالشرطة في موقع غير محايدة، وبعض حالات التحقيق غير نظيفة، وموازين العدالة متعددة وغير مستقرة.
كما أن الشرطي في الخيال العام ليس حارساً للنظام، بل قد يكون ذراعاً للسلطة؛ وقد يكون التحقيق سبيلاً إلى الإكراه؛ والملف أداة من أدوات السلطة المنحرفة.
لذلك لم تتجذر الرواية البوليسية عربياً في صورتها الكلاسيكية إلا بحدود، لأن شرطها العميق هو وجود إيمان بإمكان كشف الجريمة داخل نظام متوازن مفهوم.
لا يعني هذا الحال أن الواقع العربي طارد للرواية البوليسية.
العكس هو الصحيح.
فالمجتمعات العربية اليوم تبدو أكثر خصوبة لهذا الجنس من كثير من البيئات المستقرة، فنحن اليوم نعيش في فضاءات تمتلئ بالوقائع المطموسة، والاختفاءات القسرية، والسرديات الملفقة، والملفات الناقصة، والحدود السائلة بين الجنائي والسياسي، والأمني والاقتصادي، وبين الحرب والجريمة.
وهذه هي البيئة المثالية للرواية البوليسية الكبرى.
مأزق النقد لا مأزق الرواية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك