كتبت: أسماء أبوالسعود وتصوير: ماهر العطارحينما تتجه عقارب الساعة إلى السادسة صباحاً، تتحوّل حقول الكتان إلى أبحر صفراء اللون، فيتلألأ ويتراقص المحصول على نسمات الربيع، فتلامس فيها أصابع العمال عراقة الماضي بحصاد أقدم نبات عرفه الإنسان منذ عصر الفراعنة، الذي يُحصد يدوياً دون استخدام آلة حادة، في رحلة شاقة تبدأ من أراضي محافظة الغربية مروراً بمصانع الخيوط الحرير، وانتهاءً بصناعة منسوجات فاخرة تصدر لمختلف أنحاء العالم بأيدي صنايعية توارثوا أسرار هذا المحصول المقدس أباً عن جد.
لا يتقبل محصول الكتان التطور في الميكنة الزراعية، حفاظاً على جودته، إذ لا تزال طريقة حصاده هي التقليع اليدوي، للحفاظ على أعلى إنتاجية وجودة، فجودته تكمن في طول الليف الخاص به، والذي لا يتحقق سوى بنزع النبات من الجذور بشكل يدوي، لأن الحش أو القص يفقده مسافة ثمينة من الطول وبالتالي يقل من قيمته الاقتصادية.
حصاد الكتان أقدم زراعة عرفها الانسانينتشر العمال في صفوف منتظمة ممسكين بحزم الكتان ثم يجذبونه لأعلى بضربة قوية واحدة، فتخرج السيقان كاملة بالجذور، وأشار جلال السيد جلال، أحد العاملين المتخصصين في حصاد الكتان، أنه تعلم كل مراحل الكتان وبدء العمل فيه قبل 5 سنوات، نظراً لأنه يدر أرباحاً جيدة أعلى من باقي المحاصيل الزراعية، وكذلك لأنّ مراحله كثيرة ويحتاج عمالة لفترة طويلة، بدءاً من التقليع، مروراً باللم، والتربيط، والتحميل، والتشوين، والدراس، والمبلات، والنشر، والانتهاء بتحويله إلى خيوط حرير في المصانع.
مجهود بدني يقابله ربح وفيرويحكي «جلال»، فى حديثه لـ«الوطن»، أن حصاد الكتان يحتاج مجهوداً بدنياً كبيراً جداً، خصوصاً أن العمل فيه يكون خلال الصباح الباكر في مختلف حقول محافظة الغربية، وتكون الشمس رفيقاً لهم، ولكن أرباحه تنسيهم تعبهم.
ويصف حمادة نسيم، مزارع كتان، ذلك المحصول بأنه أحد أعظم المحاصيل، خصوصاً أنه صديق للبيئة ولا يترك أي مخلفات، مؤكداً أن كل جزء فيه له قيمة وثمن وسعر، فالبذور تباع لاستخراج الزيت الحار المشهور، وقشورها تستخدم كأعلاف عالية البروتين، أو تستخدم البذور ككل في صناعة بعض المواد الطبية، بينما أليافه كنز يمر بعدة مراحل ليصبح خيوط كتان تصنع منها أرقى المفروشات والملابس، متربعاً فوق عرش الأزياء المستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك