مما خبرتْه الإنسانيةُ طويلا أن الغزارة قلّما تكون في علاقة تناسب طردي مع الجودة، بل إن التناسب بينهما يكاد يكون عكسيا.
إذ يصعب على الكاتب أو الفنان أو الباحث أن يوفق بين الإكثار من الإنتاج وبين الحفاظ على أعلى مستويات الإتقان.
على أن في الفكر المعاصر حالات، لعل إدغار موران وريجيس دوبري ومارسيل غوشيه من أبرز ممثليها، تثبت إمكان تحقيق هذه المعادلة الصعبة.
إلا أن الخصلة الفضلى عند إدغار موران أنه يمتاز، علاوة على ذلك، بأنه قد يكون آخر العنقود من أولئك المفكرين الأفذاذ الذين ينطبق عليهم وصف «أمّة في رجل».
أمة من الباحثين والمثقفين المتآلفين المتناغمين في شخص مفكر مفرد.
كما أنه يمثل، مع آلان باديو، النموذج الأخير لصورة «المثقف الإنساني» (أو الكلي أو الكوني) الموروثة عن سارتر وكامو، وذلك بخلاف صورة «المثقف المتخصص» التي عرّف بها ميشال فوكو الباحثَ الذي لا يدلي بدلوه إلا في المسائل التي تتعلق بمجال اختصاصه.
أما أشهر التعريفات التي ظلت تلازم إدغار موارن، الذي وافته المنيّة الأسبوع الماضي بعد قرن كامل من العمر مشفوع بأربعة أعوام! ، فهي أنه «عالم اجتماع الراهن» و»فيلسوف الفكر المعقد» (أو المركّب).
وكلا التعريفين دقيق.
فقد كان موران أول المنتبهين إلى ثورة الذهنيات في المجتمعات المعاصرة، حيث سخّر بواكير أبحاثه وتحقيقاته السوسيولوجية، في الخمسينيات والستينيات، للثقافة الجماهيرية التي كانت النخبة الفكرية تترفع عن دراستها توهُّما بأنها غير ذات موضوع.
وهكذا بيّن في كتابه «النجوم»، عام 1957، كيف أن آلهة الأولمب الجديدة، أي نجوم السينما الهوليودية، إنما تلبي حاجة دفينة في النفس الإنسانية إلى الأساطير والبطولات.
كما شرح عام 1962 في كتابه «روح العصر» كيف أن المدنية الصناعية القائمة على الإنتاج المكثف، والعمل المجزَّأ الخِلْو من المعنى، والاستهلاكية التي توجهها استحداثات الموضة وتحفيزات الدعاية، قد صارت محكومة محتومة بآليات الإعلام الجماهيري.
ولا أزال أذكر أن معرفتي بموران بدأت في خريف 1982 لما قرأت فصلا من «روح العصر» عدت له أكثر من مرة وبقيتْ مُنتقشة في ذاكرتي قولتُه فيه إن سوسيولوجيا الإعلام هي أطرف فروع علم الاجتماع الأمريكي وأنشطها.
كان إدغار موران أول المنتبهين إلى ثورة الذهنيات في المجتمعات المعاصرة، حيث سخّر بواكير أبحاثه وتحقيقاته السوسيولوجية، في الخمسينيات والستينيات، للثقافة الجماهيريةوالأرجح عندي أن صفة «فيلسوف الفكر المعقد» هي الأهم والأبقى.
ذلك أن نهم موران لفهم كل شيء وعصاميته المتمردة على التقاليد الجامعية وانتقاله المستمر بين مجالات البيولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الإناسة (الأنثروبولوجيا) وعلم الإحاثة (الأحياء القديمة) إلخ.
، فضائل زودته بالأسلحة اللازمة لتحقيق ذلك الفتح الفكري المتمثل في بلورة فلسفة «فكر التعقيد»، والمتجلِّي في أعمال متنوعة كان أهمها سلسلة «المنهج» التي عمل عليها طيلة ثلاثة عقود، حيث نشر باكورتها عام 1977 والجزء السادس الأخير منها عام 2004.
واتخاذ «المنهج» عنوانا إحالة، واعتراض أيضا، على «مقالة المنهج» التي هيمن بها ديكارت على تاريخ الفكر الغربي لثلاثة قرون.
إذ ينبني منهج ديكارت على «الأفكار الواضحة، البيِّنة المعالم» لأن الحقيقة عنده مرادف للوضوح والتمايز، أي أنها تكمن في تبسيط الشيء وفصله عما يحيطه منعا للالتباس؛ بينما يقول موران، بدل ذلك، بوجوب السعي في طلب الواقع بكل تركيبه وتعقيده وتمازج أنواره بظلماته، أي أنه ينبغي على الفكر الساعي إلى الوصل بين شتات الأشياء أن يجابه التناقض الذي أثبتت كل العلوم، من حيوية وفيزيائية واجتماعية، أنه من صميم الواقع وأنه من نسيجه بمثابة السَّدَى.
وأمْيَزُ ما يتميز به موارن أنه كان يوائم، بقدر عظيم من الثبات والشغف، بين الانشغال الفكري والالتزام التقدمي.
لهذا لم يَسلَم من المحاكمات بتهمة العداء للسامية، هو اليهودي المناصر للحق الفلسطيني، اليساري المقاوم للاحتلال النازي، المواطن العالمي الذي يَعُدّ فرنسا «وطنه الأب وحوض المتوسط وطنه الأم».
ولأنه إنساني الانتماء بإطلاق، فهو يدرج سيرته ومسيرته في سياق استمرارية ميراث عائلة من يسميهم، ببلاغة رشيقة، بـ»اليهود-الأغيار»(! )، أي اليهود الموفِّقين بين حفظ التراث الثقافي لأسلافهم وبين الانتماء الأصيل لأوطانهم وحضاراتهم في المشارق والمغارب، اليهود الذين أثّروا في تاريخ الإنسانية بإنجازاتهم في مختلف مجالات المعرفة والإبداع.
عندما حظيتُ بمحاورة إدغار موران في بيته الباريسي عام 2007 كان عندها في السادسة والثمانين من العمر، ولكنه كان يتّقد بعدُ نباهة وجاذبية فكرية.
استقبلني بترحاب عفوي وتواضع جم، فإذا بما يدور بيننا من حديث ودّي قبل التصوير التلفزي وبعده يضاهي ما دار أثناء الحوار إمتاعا وتنويرا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك