وقع لبنان في غضون شهر ونصف على صيغتي وقف إطلاق نار مع إسرائيل لا وقف للنار حقيقياً فيهما.
ففي السادس عشر من شهر إبريل الماضي، ومن بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توصل لبنان وإسرائيل الى وقف إطلاق نار مؤقت، نشرت وزارة الخارجية الأمريكية نص البيان الذي جرى الاتفاق عليه، نص في مقدمته على وجوب «إرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس»، هذا مع إقرار البلدين «بالتحديات الجسيمة التي تواجهها الدولة اللبنانية جراء المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة، والتي تقوض سيادة لبنان وتهدد الاستقرار الإقليمي» واتفاقهما على «ضرورة كبح جماح أنشطة تلك المجموعات».
أما الاتفاق الصادر فجر 4 يونيو بعد جولة المفاوضات الرابعة، برعاية أمريكية، بين إسرائيل ولبنان فقد تعدى غرض «الهدنة المؤقتة» إلى نوع من اتفاق مبادئ وعناوين توجيهية تمهد لاتفاق سلام وأمن شاملين بين البلدين، إلا أنه على لم يلحظ مع ذلك هدفيه «إرساء أمن حقيقي على طول الحدود المشتركة» كما في بيان إبريل، لأن موضوع انسحاب إسرائيل الى ما وراء هذه الحدود المشتركة بنتيجة اعتماد الآليات المتفق عليها حسب النص الموقّع قد «سقط سهواً» من هذا النص، لتتحول منطقة الليطاني إلى حقل للتجريب والامتحان.
و»المناطق التجريبية» ولتنتقل الدولة اللبنانية معه من عصرها التعطيلي – التكبيلي إلى هويتها الجديدة كدولة «تحت التجريب».
لم تستهدف بيروت وضاحيتها الجنوبية طيلة المدة الفاصلة بين الصيغتين الموقع عليهما، إلا أن الحرب شهدت تصعيدا ميدانيا في الجنوب، وتوغل إسرائيلي متماد وصل إلى نهر الليطاني مع الاستيلاء على قلعة الشقيف، مع مواصلة تدمير القرى الحدودية، هذا في مقابل استخدام حزب الله للمسيرات الانقضاضية وتحول استهدافه لشمال إسرائيل إلى حجة لجأت اليها إسرائيل للتهديد بتوجيه ضربات قاسية للضاحية سارع من بعدها ترامب للتدخل، وغرقت الناس في تفاصيل توبيخه لبنيامين نتنياهو لتكون نتيجة التوبيخ إلزام لبنان الرسمي بصيغة أمريكية إسرائيلية للبيان المشترك لا التزام فيها من جانب الموقعين بأي انسحاب إسرائيلي شامل من جنوب الليطاني، لأن فحوى الاتفاق أنه «فلنجرب»، فلنجرب المناطق التجريبية تحت الإشراف الأمني والعسكري الأمريكي، ثم نرى.
انتقلنا من اتفاق إبريل الذي لم تفهمه إسرائيل إلا كإطار للاستيلاء على الجنوب اللبناني وتدمير قراه، إلى بنود تنفيذية مع الإعلان الأخير يمهد لتكاملية أمنية طويلة الأمد بين الموقعين على هذا الإعلان في منطقة جنوب الليطاني دون أي اتفاق مشترك بينهم لا حول عودة النازحين ولا حول إعادة الإعمار ولا حتى حول وقف الهدم إضافة إلى حصر الانسحاب بإخراج مقاتلي وسلاح حزب الله من هذا الجنوب دون التطرق إلى أي انسحاب إسرائيلي شامل في مقابل ذلك، ما يعطي فكرة واضحة بأن اتفاق 17 أيار 1983 كان مانيفستو سياديا بامتياز إذا ما قورن بهذا الإعلان.
معنى المناطق التجريبية أنها سوف تكون حقلا لاختبار مدى النجاح في نزع سلاح وشبكات الحزب بإرشاد أمريكي وتنسيق أمني وعسكري ثلاثيفمعنى المناطق التجريبية أنها سوف تكون حقلا لاختبار مدى النجاح في نزع سلاح وشبكات الحزب بإرشاد أمريكي وتنسيق أمني وعسكري ثلاثي لحظة بلحظة مع الخضوع لتقييم مستمر بحيث لا يمنح لبنان منطقة تجريبية جديدة لإثبات جدارته التفكيكية لحزب الله فيها إلا بعد أن يكون نجح في المهم في المنطقة السابقة بما في ذلك منع عودة نشاط الحزب.
يمثل الحديث عن مناطق تجريبية الركيزة الأساسية في الاتفاق.
نموذج قابل للتوسيع بشرط أن يفلح لبنان الرسمي في المطلوب منه، ومن دون التزام بالعودة الإسرائيلية إلى ما وراء الحدود بشكل رسمي وواضح ولا من ضمن أمد معقول.
المناطق التجريبية قد تتحول إلى «فخ» لشرعنة بقاء عسكري إسرائيلي طويل الأمد، حيث يمكن لإسرائيل التذرع بفشل التجربة أمنياً لرفض الانسحاب من بقية المناطق.
سوف يقال إنه لم يكن بالإمكان في ضوء ميزان القوى أفضل مما كان، لكن هذه حجة الجميع في السياسة حين يتهربون من الحاجة إلى التماسك في الطرح وإلى التوازن في الصيغ التفاوضية والتفاهمية.
من الخطأ بمكان عدم وزن الاتفاق الحاصل من زاوية رفع منسوب الانقسامية اللبنانية الداخلية.
وعموما، لا يمكن تحت أي ظرف الموافقة على تبرير توقيع الدولة اللبنانية على أي صيغة اتفاق تخلو تماما من التزام الموقعين عليه جملة وهم في هذه الحالة لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة على وجوب الانسحاب الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأزرق.
أن يكون المرء عنده تضاد ثقافي وأيديولوجي مع حزب الله، وأن يكون واقعياً وبراغماتياً والى ما هنالك، وليس لديه من سبب أيديولوجي لرفض التفاوض المباشر من حيث المبدأ، فهذا لا يلغي أبدا، على العكس تماما، كان يفترض به أن يدفع إلى الإصرار مهما كان الظرف على ربط أي صيغة بيان مشترك بوجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة.
إذا كان حزب الله يتحمل المسؤولية الأساسية، من زاوية المعاش الكياني كلبنانيين، عن خوض هذه الحرب على التوقيت والتوجيه الإيرانيين الكاملين وبشكل أمعن في تقسيم اللبنانيين من دون أن تكون لديه أجوبة حول كيفية مواجهة التحدي التفريغي ديموغرافيا لمنطقة جنوب الليطاني وسائر التحديات الأخرى التي يطرحها أسلوبه في خوض الحرب وفاتورتها على البلد وميزان القوى وكلفة المكابرة على هذا الميزان، فهذا لا يلغي في المقابل فداحة استقالة الدولة اللبنانية من مهمتها الأساسية في هذا الصدد: ربط أي مسار جنوب الليطاني بلزوم انسحاب إسرائيل – ولو بالتدريج – الى ما وراء الخط الأزرق.
«التجريبية» في الاتفاق الحالي تجردت من «الغائية» أكثر بكثير مما كان يفترض.
بالنهاية، منذ خريف 2024 ولبنان في محطات عويصة من هذا الاستفحال: يدخل كل مرة في اتفاق وقف إطلاق نار ليتبين من ثم أنه وقف إطلاق نار ناري، ويجري الإصرار فيه على مرجعية الدولة ليتبين بعد ذلك أنها مرجعية شذرت إلى مناطق اختبار وأنها استحالت دولة تحت التجريب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك