غزة- “القدس العربي”: للمرة الأولى منذ 21 عاما، مرت أول انتخابات بلدية في قطاع غزة بسلام، معلنة بداية جديدة تمكّن سكان القطاع، الذين غابوا عن العملية الديمقراطية منذ أحداث الانقسام، من اختيار ممثليهم، وتعطي في الوقت ذاته إشارة للسياسيين، في ظل الخلافات القائمة بينهم حول الحكم، بأن صندوق الاقتراع هو الحكم الفصل في المرحلة المقبلة.
وفي أجواء انتخابية تنافسية بين أربع قوائم، غلب عليها الطابع العائلي، أجريت انتخابات البلدية في مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، وهي المدينة التي طالها دمار أقل مقارنة بباقي مدن القطاع خلال حرب الإبادة.
وانتهت الانتخابات بمجلس مختلط ضم متنافسين من القوائم الأربع، في خطوة تعطي إشارات واضحة للسياسيين، تؤكد إمكانية العمل على الأرض بين البرامج المختلفة، وفقا لما تفرزه صناديق الاقتراع.
ووفقا للنتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات، توزعت مقاعد المجلس البلدي، المكون من 15 عضوا، على قائمة “نهضة دير البلح” التي تصدرت النتائج بحصولها على 6 مقاعد، وقائمة “مستقبل دير البلح” التي احتلت المرتبة الثانية بـ5 مقاعد، وقائمة “السلام والبناء” بمقعدين، وقائمة “دير البلح تجمعنا” بمقعدين.
وبسبب ظروف الحرب الصعبة، انخفضت نسبة المشاركة في التصويت إلى 23 بالمئة فقط، وفقا لما أعلنته لجنة الانتخابات.
وقالت قائمة “نهضة دير البلح”، في تصريح أصدرته، إن حصولها على أعلى الأصوات “يعكس ثقة المواطنين ببرنامجها ورؤيتها لخدمة المدينة، ويمثل خطوة مهمة نحو تعزيز العمل البلدي وتطوير الخدمات في دير البلح”.
وتمنى محمد شاهين من مدينة دير البلح، خلال حديثه لـ”القدس العربي”، أن يبدأ المجلس البلدي الجديد في تقديم خدمات أفضل للسكان، وأن يجد حلولا للعديد من المشاكل، وفي مقدمتها مشاكل المياه والشوارع المغلقة.
وكان هذا الرجل الأربعيني يمضي في طريق طاله دمار الحرب متجها إلى منزله.
وقال: “المياه أكبر مشاكل المدينة مثل باقي مناطق قطاع غزة”، وأضاف: “منذ بداية الحرب ونحن نخزن المياه في براميل وجالونات”، مشيرا إلى مشاكل أخرى أبرزها قلة النظافة، بسبب تداعيات الحرب وانتشار القمامة في الشوارع، إضافة إلى مشاكل تتصل بمجمل الخدمات الأساسية.
وخلال المؤتمر الصحافي الخاص بإعلان نتائج الانتخابات، قال الدكتور رامي الحمد الله، رئيس لجنة الانتخابات، إن العملية الانتخابية جرت في ظروف معقدة للغاية.
وأضاف إن اللجنة أكدت التعامل مع الوطن جغرافيا، في الضفة الغربية وقطاع غزة، كوحدة واحدة، رغم التحديات الكبيرة التي واجهت العملية، مشيرا إلى أن من أبرز الصعوبات التي واجهت العملية في دير البلح عدم السماح بإدخال المواد الانتخابية.
وأعرب عن أمله في إجراء الانتخابات قريبا في هيئات محلية أخرى داخل غزة، مؤكدا أن نجاح تجربة الاقتراع في دير البلح يؤكد وحدة الوطن جغرافيا، وإمكانية إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وغابت أجواء الانتخابات عن قطاع غزة بسبب الانقسام بين حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، وحركة المقاومة الإسلامية “حماس” عام 2007، إذ عقدت آخر انتخابات تشريعية قبل الانقسام بعام، ولم تنجح محاولات سابقة لإجراء انتخابات بلدية أو تشريعية بسبب تفاقم الخلافات.
وحملت هذه الانتخابات دلالات كبيرة، إذ أكدت إمكانية إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في قطاع غزة، في حال توفرت النوايا وحُيّدت الخلافات السياسية جانبا.
وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في تصريح صحافي نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، إن الانتخابات “عكست وعي شعبنا وإصراره على ممارسة حقه الديمقراطي، رغم الظروف الصعبة والاستثنائية التي يعيشها جراء الاحتلال الإسرائيلي، وممارساته، وعدوانه المتواصل”، مضيفا أن هذا الإنجاز يأتي في إطار “عام الديمقراطية”، وصولا إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بما يعزز الحياة الديمقراطية، ويكرس مبدأ أن صوت المواطن هو الأساس لاختيار من يمثله.
وفي هذا السياق، قالت حركة “فتح”، التي أعلنت فوز قوائمها في الانتخابات التي أجريت في الضفة الغربية، إن إجراء الانتخابات في دير البلح أحبط مخططات الاحتلال الإبادية الرامية إلى فصل وتجزئة الأراضي الفلسطينية.
وشدد رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وعضو اللجنة المركزية لـ”فتح” روحي فتوح، على أن “استمرار النهج الديمقراطي يمثل خيارا استراتيجيا لا رجعة عنه، كونه يشكل رافعة وطنية لتعزيز صمود شعبنا الفلسطيني”.
أما الناطق باسم حركة “حماس”، حازم قاسم، فقال إن العملية الانتخابية للمجالس البلدية تؤكد الضرورة الوطنية العاجلة لإعادة بناء وتجديد شرعية النظام السياسي الفلسطيني بكل مستوياته، التشريعية والرئاسية.
وأضاف في تصريح صحافي: “لا يُعقل أن تستمر حالة تعطيل الانتخابات للمجلس التشريعي طوال هذه الفترة، في حين أن آخر انتخابات رئاسية أُجريت قبل أكثر من عشرين عاما”، وطالب بـ”تجديد شرعيات المؤسسة الرسمية الفلسطينية على مختلف مستوياتها”، بوصفه “ضرورة ملحّة، لتمكين شعبنا من ممارسة حقه الأصيل في اختيار من يمثله في المجالس التشريعية والرئاسة، خاصة في ظل العجز الذي أظهرته هذه المؤسسة في التعامل مع حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة”.
وأشار رئيس الحكومة الفلسطينية الدكتور محمد مصطفى إلى أن الانتخابات المحلية جرت في توقيت بالغ الأهمية، و”في ظل تحديات معقدة وظروف استثنائية، مؤكدا أن نجاح إجرائها في الضفة الغربية وجزئيا في قطاع غزة يشكل خطوة أولى ومهمة ضمن مسار وطني أشمل، يهدف إلى ترسيخ الحياة الديمقراطية، وتعزيز صمود المؤسسات الوطنية، وصولا إلى استكمال الاستحقاقات الوطنية الأخرى وتحقيق وحدة الوطن”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك