في الأسبوع الماضي، كثفت المليشيات في قطاع غزة المدعومة من إسرائيل، نشاطاتها وأصدرت بيانات عدائية تهدف إلى تصوير نفسها بديلاً أمنياً لحماس.
وأدى ذلك إلى تصاعد شدة الاشتباكات العنيفة بين المليشيات وحماس.
وأعاد تصاعد وتيرة الأحداث الأمنية، إضافة إلى المأزق الذي وصلت إليه المفاوضات بين إسرائيل وحماس والوسطاء، تم طرح السؤال الأكثر إثارة للقلق حول الوضع في القطاع: من الذي سيسيطر عليه بعد رحيل حماس؟في أحد الاشتباكات، دخلت ثلاث سيارات تقل حوالي 20 مسلحاً، برفقة طائرات مسيرة، إلى خان يونس.
في البداية، اعتقد الناس أنه نزاع محلي، لكن تبين بسرعة أنها عملية منظمة.
وزع المسلحون الطعام والسجائر على المدنيين، في حين اعتبر ذلك كحشد للدعم، أو على النقيض، محاولة لاستخدامهم كدروع بشرية.
أعلن المسلحون أنهم لا يستهدفون المدنيين، بل حماس، ونشروا أفلام فيديو زعموا أنها تظهر استقبالاً إيجابياً.
ورداً على ذلك، حسب تقارير من قطاع غزة، أطلقت قوات حماس النار على المسلحين، بل وأطلقت صاروخاً مضاداً للدروع على إحدى السيارات، وأصيب عدد من المسلحين في حين انسحب الآخرون.
بعد ذلك، أفادت التقارير أن طائرة إسرائيلية هاجمت إحدى السيارات في خطوة تم تفسيرها بأنها محاولة لإخفاء آثار المليشيا.
تعرف هذه الجماعات المسلحة في إسرائيل باسم “مليشيا أبو شباب”، نسبة لياسر أبو شباب، مؤسس مليشيا “القوات الشعبية”، الذي قتل في كانون الأول الماضي.
وتنشط هذه الجماعات بشكل رئيسي في المناطق القريبة من الخط الأصفر شرقي رفح وجنوب غزة، ومن أبرز قادتها غسان الدهيني، الذي حسب تقارير إعلام فلسطينية، حل محل أبو شباب لقيادة “القوات الشعبية”.
وقدم نفسه في الشبكات الاجتماعية بصفته رئيس “جهاز مكافحة الإرهاب الفلسطيني”، وأعلن بأنه بسبب رفض حماس نزع سلاحها، فإن القوات التابعة له تنوي شن عملية ضد الحكومة.
وبحسبه، فإن “الاستجابة لصرخات المظلومين وتحريرهم من قبضة الإرهاب مسؤولية إنسانية”.
تعرف هذه الجماعات المسلحة في إسرائيل باسم “مليشيا أبو شباب”، نسبة لياسر أبو شباب، مؤسس مليشيا “القوات الشعبية”، الذي قتل في كانون الأول الماضيتشير التقديرات الفلسطينية إلى أن “القوات الشعبية” تشمل مئات المقاتلين، وتعتبر أبرز المليشيات في قطاع غزة.
وحسب مصادر فلسطينية، فإن إسرائيل سعياً إلى خلق بدائل محلية لحكم حماس، تقدم دعماً لوجستياً وسلاحاً لهذه المليشيا.
وتؤكد مصادر في حماس، تحدثت مع “هآرتس”، أن “القوات الشعبية” تخدم المصالح الإسرائيلية، نظراً لعدم ارتباطها بالسلطة الفلسطينية أو أي قوة دولية، واعتمادها الكامل على إسرائيل.
إضافة إلى “القوات الشعبية”، ثمة تنظيمات مسلحة أخرى في قطاع غزة، منظمة على أساس قبلي، وتعمل بشكل غير منظم، لا سيما في جنوب القطاع.
أحياناً تقوم بمهمات أمنية ومرافقة القوافل، وأحياناً تشارك في اشتباكات محلية.
بالتوازي مع تصريحاته، ورغم نزعة الدهيني المسلحة، أفادت مصادر تابعة لحماس بأن الحركة تمكنت من إحباط محاولات تسلل مسلحين إلى مناطق تسيطر عليها في خان يونس ورفح، وأضرت بعدد من نشطاء “القوات الشعبية”.
لم تندلع هذه المواجهات بمعزل عن الواقع؛ ففي ظل جمود المفاوضات في القاهرة، تسعى الفصائل المسلحة في قطاع غزة إلى إثبات القدرة على ملء “الفراغ الأمني” في القطاع، لتصبح بذلك لاعباً رئيسياً في النقاشات حول مستقبله.
أما السلطة الفلسطينية من ناحيتها، فهي تفتقر إلى نفوذ حقيقي على الأرض، ولم تتبلور بعد فكرة إرسال قوة دولية إلى قطاع غزة.
مع ذلك، لا تلقى رسائل الدهيني وأمثاله قبولاً واسعاً في قطاع غزة نفسه، حتى في أوساط غير المنتمين لحماس.
وقال ناشط مخضرم في حركة فتح، يقيم في مدينة غزة، لـ “هآرتس”: “هناك فرق بين الشعارات والواقع على الأرض”.
وحسب قوله، فإن الجماعات تنشط بشكل رئيسي على أطراف قطاع غزة، حيث تطلق النار بشكل عشوائي وتنفذ أحياناً عمليات ترهيب، لكنها عاجزة حالياً عن بسط سيطرتها الفعلية.
وقال: “من دون الدعم الجوي، الذي تحصل عليه أحياناً من إسرائيل، لا يمكنها التوغل في القطاع، وقد ثبت ذلك بالفعل في عدة أحداث”.
رغم الانتقادات الشديدة الموجهة لحماس وخيبة أمل كبيرة منها، يبدو أن معظم سكان غزة لا يعتبرون هذه المنظمات المسلحة بديلاً شرعياً للحكومة، بل إن كثيرين يظهرون سعادتهم بإلحاق الأذى بنشطاء هذه الجماعات.
وقال أحد سكان غزة، وهو مسؤول سابق في السلطة الفلسطينية: “الشعور السائد هو أن هؤلاء متعاونون مع إسرائيل.
من يبيع نفسه لإسرائيل لا يمكنه أن يكون قائداً للشعب الفلسطيني، وخصوصاً في قطاع غزة”.
حسب قوله، حتى لو اعتبرت جهات إقليمية أو دولية هذه الجماعات حلاً محتملاً لما بعد الحرب في القطاع، فإن الفجوة بين النظرية والواقع كبيرة، ويكمن جوهرها في مسألة شرعية هذه المليشيات.
فخلافاً للجماعات المسلحة التي ينظر إليها ككيانات أجنبية وليس لها قاعدة شعبية، فإن حماس تمتلك بنية تنظيمية واجتماعية وحكومية واسعة.
وكما أشار مصدر رفيع في جهاز الأمن الفلسطيني في رام الله، فإن لدى حماس والفصائل الأخرى خبرة كبيرة في إدارة المنظومات الأمنية.
في المقابل، يعمل نشطاء المليشيات بطريقة غير منظمة، وأحياناً كمرتزقة، ويعتمدون بشكل كبير على الدعم الخارجي.
يخشى سكان غزة من توسع نشاطات الجماعات المسلحة في المستقبل القريب، وبينما قد تساهم هذه المليشيات في إضعاف حماس من الداخل، يخشى المواطنون أن تشعل نشاطاتها صراعاً واسع النطاق ويتحول إلى حرب أهلية.
مع ذلك، ترجح مصادر محلية بأن حرباً شاملة غير مرجحة، بل ستقتصر على أحداث متفرقة مثلما هي الحال الآن في جنوب قطاع غزة.
يبدو أن الجماعات المسلحة لم تنجح حتى الآن في بسط سيطرتها الفعلية على الأرض.
مع ذلك، هذا لا يشير إلى تراجع قوتها أو انخفاض دوافعها.
وما لا يتم التوصل إلى حل سياسي واضح، وبقيت مسألة السلاح في قطاع غزة مفتوحة، فمن المرجح أن تستمر محاولات تحدي حماس، بل ربما تزداد شدة.
وما دامت المليشيات مستمرة في العمل بين حين وآخر، ولم تسلم حماس سلاحها، فلن يكون من المحتمل ترسيخ سلطة بديلة في قطاع غزة، سواء كانت فلسطينية أو عربية أو دولية، وهو الأمر الذي يخدم مصالح إسرائيل.
ويظهر الوضع على الأرض بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي للإطاحة بنظام حماس، ومن دون شرعية شعبية واسعة، يتوقع أن تواجه أي محاولة لإنشاء قيادة بديلة للحركة في غزة مقاومة شديدة حتى من معارضيها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك