في يومٍ باتَ قريبًا من اليومِ، رحلَ نزارُ قباني، أجملُ قامةٍ شعريةٍ في القرنِ العشرينِ.
طارتْ ألفُ حمامةٍ، وبكتْ شجرةُ الياسمينِ.
توقّفتِ الأرضُ عن الدورانِ، وتراجعَ الموجُ، وسكتتِ الريحُ.
تكسّرتِ الأغصانُ، وبكتِ القصيدةُ.
أُغلِقتْ مدينةُ الشعرِ أبوابَها، ومالتِ الخيولُ على ظلِّها.
نزارُ قباني، بوابتي إلى الشعرِ ورفيقُ شبابي.
هو من أهدى اللونَ إلى أيامي، أهداني أحرفًا مضيئةً، أهداني القصيدةَ.
وسّعَ مساحةَ القلبِ ومساحةَ أحلامي.
معه كنتُ أسافرُ إلى عالمٍ مختلفٍ، عالمٍ فوقَ السحابِ.
أشربُ كلماتِه نبيذًا طيّبَ المذاقِ.
سهلٌ، قريبٌ، يشبهني، يشبهنا جميعًا، من هذا الترابِ.
صوره تشبهُ أيامَنا: تبغُه، وأسطواناتُه، وجريدتُه، وهمومُه، وانكساراتُه، كلُّها تشبهُنا.
هو نبضُنا الحيُّ، ضميرُنا؛ هو نحنُ، أنا وأنتَ، الضوءُ المسافرُ فينا، جناحُ القلبِ وقنديلُ العقلِ، وأجمل ما فينا.
غاصَ نزارٌ في التفاصيلِ اليوميةِ التي نمرُّ عنها مرورَ الكرامِ، وصنعَ منها شعرًا يتلألأُ على الشفاهِ، يتناقلهُ الناسُ بينهم كالسلامِ.
أنزلَ القصيدةَ من برجِها العاجيِّ إلى الشارعِ، إلى الرجلِ البسيطِ، وجعلَها «خبزًا» للناسِ.
من منّا لا يحفظُ شيئًا لنزارٍ؟أنا يا صديقتي متعبٌ بعروبتيفهل العروبةُ لعنةٌ وعقابُ؟أمشي على ورقِ الخريطةِ خائفًافعلى الخريطةِ كلُّنا أغرابُفإذا وقفتُ أمامَ حُسنكِ صامتًا،فالصمتُ في حَرَمِ الجمالِ جمالُكلماتُنا في الحبِّ تقتلُ حبَّنا،إنَّ الحروفَ تموتُ حينَ تُقالُالحبُّ ليسَ روايةً شرقيةًبختامِها يتزوّجُ الأبطالُلكنَّه الإبحارُ دونَ سفينةٍ،وشعورُنا أنَّ الوصولَ محالُهو أن تظلَّ على الأصابعِ رعشةٌ،وعلى الشفاهِ المُطبِقاتِ سؤالُهو هذهِ الكفُّ التي تغتالُنا،ونُقبِّلُ الكفَّ التي تغتالُإنّي أُحبّكِ عندما تبكينَ،وأُحبُّ وجهَكِ غائمًا وحزينًاتلكَ الدموعُ الهامياتُ أُحبُّها،وأُحبُّ خلفَ سقوطِها تشرِينَابعض النساء يتمتعن بوجوه جميلة،وتصيرُ أجملَ عندما يبكينَكانَ نزارٌ سابقًا لزمانِه، كسرَ كلَّ التابوهاتِ، وخاضَ حروبَه بشجاعةٍ مع معارضيه من سلفيينَ ورجعيينَ ومحافظينَ.
اتهموه بالكفرِ، واتهموه بالفسقِ، واتهموه بالانحلالِ، ورموه بالحجارةِ ككلِّ مبدعٍ سبقَ عصرَه.
وفي النهايةِ، ذهبوا جميعًا وبقي هو؛ فالفنُّ الحقيقيُّ دائمًا أبقى من نقّادِه.
عصاه شقّتْ بحرَهم الهائجَ، فغرقوا هم، ووصلَ هو، ومعه الملايينُ، إلى الضفةِ الأخرى.
الشعرُ الحقيقيُّ، مهما احترقتْ أرضُه، يخرجُ من بطنِها من جديدٍ، يدفعُ بعنقِه نحوَ النورِ، ويتسلّقُ كلَّ الأسوارِ العاليةِ.
كسرَ نزارٌ الصورةَ النمطيةَ عن الشعراءِ؛ إذ كانتِ الصورةُ أنهم غريبو الأطوارِ، مفلسونَ، أشعثونَ، ثم أتى هو: الشابُّ الوسيمُ الأنيقُ، الذي يغارُ منه الرجالُ وتعشقُه النساءُ.
«ملكٌ» كما وصفه عبدُ الوهابِ.
امتلأتِ القاعاتُ بمعجبيه، وصفّقَ له الجمهورُ كما لم يصفّقْ لأحدٍ قبلَه أو بعدَه.
كان يقفُ أمامهم كساحرٍ، يطوّعُ الكلماتِ كما يريدُ؛ فمرّةً تطيرُ حمامًا زاجلًا، ومرّةً تحلّقُ نسرًا جارحًا… يقولُ للحرفِ: كنْ فيكونُ.
«أرسمُ الحرفَ كما يمشي مريضٌ في سباتٍ…فإذا سوّدتُ في الليلِ تلالَ الصفحاتِ،فلأنَّ الحرفَ، هذا الحرفَ، جزءٌ من حياتي،ولأنّي رحلةٌ سوداءُ في موجِ الدواةِ».
نزارٌ، ابنُ الطبقةِ الراقيةِ المتعلّمةِ، شدَّ الناسَ إليه جميعًا، فقيرَهم وغنيَّهم.
غنّى أفراحَهم وأوجاعَهم، وكان ضميرَهم الحيَّ المتحدّثَ باسمهم.
أحيا الشعرَ بعدَ مواتِه، نفضَ عنه الغبارَ، وأطلقَه عصفورًا يغردُ في الفضاءِ.
أيقظَ الحلمَ ونامَ.
لا تجودُ السماءُ كثيرًا بمثلِ نزارٍ؛ فلم يُضاهِ شعبيتَه وإبداعَه إلا جدُّه المتنبي قبلَ ألفِ عامٍ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك