نواكشوط – «القدس العربي»: تعيش منطقة الساحل على وقع تصعيد أمني جديد بعد سلسلة هجمات منسقة هزّت مالي فجر السبت، في مشهد يعكس هشاشة الوضع الأمني في هذا البلد المشتت منذ عقود، ويثير في الآن ذاته قلقًا دوليًا وإقليميًا متزايدًا، خصوصًا لدى دول الجوار وفي مقدمتها موريتانيا، التي سارعت إلى إعلان تضامنها مع باماكو وسط ضبابية كبيرة بشأن حقيقة ما يجري على الأرض.
وبدت الهجمات التي نسقتها حركة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، واستهدفت العاصمة باماكو ومحيطها، إضافة إلى مدن رئيسية مثل كاتي وغاو وموبتي وسيفاري وكيدال، غير مسبوقة من حيث التزامن والاتساع الجغرافي.
ووفق بيان هيئة الأركان العامة للجيوش المالية، فإن «مجموعات إرهابية مسلحة لم يتم التعرف عليها بعد» تقف وراء هذه الهجمات، مؤكدة أن قوات الدفاع والأمن باشرت عمليات التصدي، وأن الاشتباكات ما تزال جارية في بعض المناطق، مع دعوة السكان إلى التحلي بالهدوء واليقظة؛ كما تحدث الجيش عن «القضاء على عدد من المهاجمين وتدمير معدات»، مشيرًا إلى أن الوضع «تحت السيطرة»، مع استمرار عمليات التمشيط.
غير أن الرواية الرسمية تقابلها روايات أخرى متباينة، إذ أعلن متحدث باسم جبهة تحرير أزواد أن مقاتليها سيطروا على أجزاء واسعة من مدينتي غاوه وكيدال، بينما تداولت مصادر غير مؤكدة بيانًا منسوبًا إلى جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» تتبنى فيه الهجمات، وتؤكد أنها تولت تنفيذها بتنسيق مع فصائل انفصالية.
وأكد المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد محمد مولود رمضان، أن حركته سيطرت على أجزاء واسعة من مدينتي غاو وكيدال وضواحيهما، وما تزال هناك بقايا من العسكريين الماليين والروس في قواعد عسكرية خارج المدينة كانت تابعة أصلا للقوات الأممية «مينسما».
وأضاف ولد رمضان في تصريحات صحافية «أن هدف جبهة تحرير أزواد هو تحرير كامل لإقليم أزواد، واستعادة السيطرة عليه»، مردفا أنهم في الوقت ذاته «على استعداد للتعاون مع أي جهة لإسقاط ما وصفه بالنظام المجرم الحاكم في مالي».
وأردف ولد رمضان أن المعلومات المتوفرة لديهم تقول إن المسلحين التابعين لنصرة الإسلام والمسلمين سيطروا على مناطق حيوية في العاصمة باماكو، من بينها المطار، وقاعدة كاتي المحورية، كما سيطروا على مدينة سيفاري.
وشدد القيادي في جبهة تحرير أزواد على أنهم جادون في تحقيق هدفهم بتحرير كل أزواد، واستعادة السيطرة عليه، مجددا التأكيد على استعدادهم للتعاون مع كل من يسعى لإسقاط النظام الحاكم في مالي.
ويعكس هذا التضارب في المعطيات تعقيد المشهد، ويمنع من الوصول إلى صورة دقيقة لما حدث، خاصة في ظل غياب حصيلة مؤكدة للخسائر البشرية والمادية.
وعلى المستوى الدولي، سارعت الولايات المتحدة إلى إدانة ما سمته «الهجوم الإرهابي»، معربة عن تضامنها مع شعب مالي، ومؤكدة التزامها بدعم جهود تعزيز الأمن والاستقرار في البلاد والمنطقة.
كما نصحت سفارتها في باماكو الرعايا الأمريكيين بالبقاء في منازلهم وتجنب التنقل، بعد ورود أنباء عن إطلاق نار وانفجارات قرب مطار موديبو كيتا الدولي ومناطق أخرى حساسة.
وأعرب الاتحاد الإفريقي عن قلقه البالغ، مدينًا الهجمات التي «تعرض المدنيين لخطر جسيم»، ومجددًا دعمه للسلطات المالية.
في السياق الإقليمي، برز الموقف الموريتاني كأحد أبرز ردود الفعل السياسية، حيث عبّرت نواكشوط عن «قلقها الشديد» إزاء التطورات في مالي، مؤكدة تضامنها الكامل مع هذا البلد الجار، انطلاقًا من روابط الأخوة وحسن الجوار.
ويعكس هذا الموقف انتقال موريتانيا من مرحلة المراقبة الحذرة إلى إعلان موقف واضح، مدفوعًا بتزايد المخاوف من انعكاسات محتملة للأزمة على أمنها الداخلي.
فما يجري في مالي لا يمكن عزله عن محيطه الإقليمي، إذ إن أي اهتزاز في مركز السلطة في باماكو ستكون له تداعيات مباشرة على دول الجوار، خاصة موريتانيا التي ترتبط بحدود طويلة مع مالي.
ومن هذا المنطلق، تبدو نواكشوط معنية بشكل مباشر بتطورات الوضع، ليس فقط من زاوية التضامن السياسي، بل أيضًا من زاوية حسابات الأمن الوطني.
ويؤكد محللون استراتيجيون موريتانيون «أن الخطر الأكبر بالنسبة لموريتانيا لا يكمن فقط في الهجمات بحد ذاتها، بل في احتمال أن تعكس هذه الأحداث بداية مرحلة جديدة من تآكل سلطة في مالي؛ فضعف السلطة المركزية في باماكو قد يفتح المجال أمام توسع نفوذ الجماعات المسلحة، سواء كانت جهادية أو انفصالية أو شبكات تهريب، وهو ما يعني عمليًا اتساع «المناطق الغامضة» على الحدود المشتركة، وصعوبة أكبر في ضبطها.
كما أن تدهور الوضع الأمني في مالي قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة نحو الأراضي الموريتانية، مما يزيد من الضغط على الموارد والخدمات، في وقت تواجه فيه موريتانيا تحديات اقتصادية واجتماعية قائمة.
ولا يقل خطورة عن ذلك تأثير الأزمة على حركة التجارة والنقل البري في المنطقة، حيث تشكل مالي محورًا مهمًا في الربط الإقليمي.
وكشفت الأحداث المتواصلة في مالي عن تحول نوعي في طبيعة التهديد، إذ لم تعد الهجمات محصورة في الأطراف النائية، بل باتت تستهدف مراكز الثقل العسكري والسياسي، بما في ذلك العاصمة باماكو؛ وهذا يعزز فرضية أن جمهورية تواجه تهديدًا مركبًا تشارك فيه أطراف متعددة، ما يزيد من تعقيد المعالجة الأمنية والسياسية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المصلحة الموريتانية واضحة: الحفاظ على استقرار مالي ومنع انزلاقها نحو سيناريو الفوضى الشاملة؛ فالتعامل مع دولة مركزية وإن كانت ضعيفة، حسب المحللين، يبقى أسهل بكثير من التعامل مع فسيفساء من الفاعلين المسلحين.
ومن هنا، تقوم المقاربة الموريتانية على مزيج من تعزيز الجبهة الحدودية، وتفادي الانخراط في الصراعات الداخلية المالية، ودعم أي مسار يفضي إلى استعادة الحد الأدنى من الاستقرار.
وخلاصة الأمر أن الصورة في مالي ما تزال ضبابية، بين تأكيدات رسمية بالسيطرة، وروايات ميدانية متضاربة، وقلق دولي متصاعد.
غير أن المؤكد هو أن ما حدث يتجاوز كونه حادثًا أمنيًا عابرًا، ليطرح مجددًا سؤال استقرار الدولة في مالي، وانعكاسات ذلك على كامل منطقة الساحل، حيث لا تعرف الأزمات حدودًا، ولا تتوقف تداعياتها عند خطوط الجغرافيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك