تشهد أوروبا حالة من القلق المتصاعد مع استمرار تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بالتوترات مع إيران، إلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال القارة من أزمة اقتصادية إلى اضطراب سياسي واسع، يهدد ما يوصف بـ”المركز الهش” للاتحاد الأوروبي، وفق مجلة “بوليتيكو”.
ضغط اقتصادي يتسلل إلى حياة الأوروبيينيحذر مسؤولون أوروبيون من أن ارتفاع تكاليف الطاقة لم يعد محصوراً في قطاع واحد، بل بدأ يمتد إلى أسعار الغذاء والنقل والإسكان، ما يضع الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط تحت ضغط متزايد.
وقال شيموس بولاند، رئيس اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية، إن هذا الارتفاع يخلق بيئة من انعدام الثقة تجاه الحكومات الوطنية والمؤسسات الأوروبية، مشيراً إلى أن ذلك قد يدفع نحو سياسات أكثر انغلاقاً أو حمائية داخل القارة.
صعود سياسي مقلق وموجة شعبوية متناميةفي ظل هذا الوضع الاقتصادي، تتزايد مؤشرات التغير السياسي داخل عدد من الدول الأوروبية، حيث تُظهر استطلاعات ومشاهد انتخابية متفرقة اتساع نفوذ التيارات اليمينية.
وترى “بوليتيكو” أن فرنسا قد تكون أبرز محطة لهذا التحول، مع احتمالات صعود حزب “التجمع الوطني” في الاستحقاقات المقبلة، وهو ما قد يعيد تشكيل المشهد السياسي الأوروبي بالكامل.
وفي بلغاريا ورومانيا وألمانيا، تتصاعد أيضاً حظوظ قوى يمينية أو متشككة في الاتحاد الأوروبي، في ظل تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية وتآكل ما يُعرف بالوسط السياسي.
أزمة إيران ومضيق هرمز.
شرارة تضاعف الضغوطتتجه الأنظار داخل الاتحاد الأوروبي إلى تداعيات حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، حيث يناقش وزراء المالية الأوروبيون سبل احتواء آثار ارتفاع أسعار النفط دون دفع الاقتصاد نحو أزمة ديون جديدة.
ووفق دبلوماسيين أوروبيين، فإن التقديرات تشير إلى أن ما يُعرف بـ”صدمة إيران” قد تتحول إلى أزمة أوسع إذا استمرت اضطرابات الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة.
وأكد المفوض الأوروبي للاقتصاد فالديس دومبروفسكيس أن استمرار إغلاق المضيق ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الأوسع، محذراً من محدودية الأدوات المالية المتاحة مقارنة بالأزمات السابقة.
بين الركود والتضخم.
اقتصاد يزداد هشاشةتواجه أوروبا حالياً مزيجاً اقتصادياً معقداً يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع التضخم، في ما يشبه “ركوداً تضخمياً” يضغط على الاقتصادات الكبرى داخل الاتحاد.
وقد خفّضت ألمانيا وإيطاليا توقعاتهما الاقتصادية، في وقت تستعد فيه المفوضية الأوروبية لتعديل تقديرات النمو، وسط توقعات بمزيد من التباطؤ خلال الأشهر المقبلة.
وتشير التحذيرات إلى أن الأزمة لم تعد ظرفية، بل مرشحة للاستمرار، خاصة مع استمرار تداعيات الحرب وتعثر سلاسل الطاقة.
معركة مالية داخل الاتحاد الأوروبيعلى الصعيد المالي، تتصاعد الخلافات بين دول الشمال الأكثر تشدداً في ضبط الإنفاق، ودول الجنوب التي تطالب بزيادة الدعم الأوروبي.
وتتجه الأنظار أيضاً إلى ميزانية الاتحاد الأوروبي المقبلة، إضافة إلى عبء الديون المشتركة التي أُقرت خلال جائحة كورونا، والتي ستبدأ الدول الأوروبية في سدادها اعتباراً من عام 2028.
ويرى مراقبون أن هذا الملف قد يتحول إلى أحد أبرز مصادر التوتر داخل الاتحاد خلال السنوات المقبلة، في ظل محدودية المساحة المالية المتاحة.
بين صدمة الطاقة، وتباطؤ النمو، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، تبدو أوروبا أمام مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية مع تحولات سياسية متسارعة.
ومع غياب حلول سريعة، يزداد احتمال دخول القارة مرحلة أكثر تعقيداً، تتجاوز حدود الأزمة المؤقتة إلى إعادة تشكيل عميقة لموازينها الداخلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك