ليس المهم أن تستقيل قيادية من حزبها، بل أن تمرّ استقالتها دون دهشة.
هنا يكمن الخطرفي هذا السياق جاءت استقالة حنان حسن خليفة من حزب المؤتمر السوداني نص هادئ، مشبع بالامتنان، خالٍ من الاتهام.
لكن مثل هذه النصوص الناعمة غالبًا ما تحمل أسئلة أكثر مما تقدّم إجاباتفهي لا تشرح لماذا حدثت الاستقالة، بقدر ما تكشف طبيعة اللحظة التي حدثت فيهاالعبارة المفتاحية في خطابها—“خطوة خارج الإطار نحو ذات الحلم”—تقدّم مدخلًا مباشرًا للفهمالخروج هنا ليس من الفكرة، بل من الإطار التنظيمي نفسه , وهذا يضعنا أمام أزمة أوسع من حزب بعينه , أزمة النموذج الحزبي التقليدي في السودان، الذي ما يزال يعاني من هرمية مغلقة، وبطء في اتخاذ القرار، وفجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والواقع المتحوّل بسرعة، خاصة في زمن الحربمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم تعد الأحزاب تعمل في بيئة طبيعية.
قيادات في المنافي، قواعد في النزوح، وواقع سياسي بلا مركز واضح.
في مثل هذا المشهد، يصبح العمل الحزبي أقل فاعلية، وتتحول التنظيمات إلى منصات بيانات أكثر من كونها أدوات تأثيرومع تعقّد الموقف من الحرب—بين الحياد والانحياز—ازدادت الانقسامات الداخلية، وتراجعت القدرة على إنتاج موقف موحّدلذلك، فإن الاستقالات الهادئة التي شهدتها عدة قوى مدنية في الفترة الأخيرة ليست حالات فردية معزولة، بل تعبير عن خلل بنيويو هي انسحابات بلا صدام، تحافظ على العلاقات، لكنها تكشف ضمناً عن ضيق متزايد داخل الأطر التنظيمية, والمفارقة أن هذا الهدوء، رغم ما يمنحه من توازن، يخفي الأزمة بدل أن يواجههاما تقوله هذه الاستقالة بوضوح غير مباشر هو أن الفجوة بين “الحلم” و“الإطار” اتسعت فجيل ثورة ديسمبر الذي رفع شعارات الحرية والسلام والعدالة، لم يجد بعدُ الصيغة التنظيمية القادرة على تحويل هذه الشعارات إلى سياسات مستدامة.
ليست المشكلة في غياب الرؤية، بل في ضعف الأدواتاليوم، يتجه كثير من الفاعلين السياسيين خارج الأحزاب إلى العمل المدني، المبادرات المستقلة، أو الفضاء الرقميهذا التحول يمنح مرونة وسرعة، لكنه يطرح سؤالًا أكبر عن غياب الفعل الجماعي المنظّم، وعن مستقبل السياسة نفسها في ظل هذا التشتتباختصار، استقالة حنان حسن خليفة ليست حدثًا استثنائيًا، بل علامة , و علامة على أن الأحزاب السودانية لم تنجح بعد في إعادة تعريف دورها في زمن الحرب والشتات , وإذا كانت القيادات تغادر بصمت، فإن السؤال الأهم ليس من خرج؟بل ماذا تبقّى من الإطار… ومن الحلم نفسه؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك