هناك من يختار الطريق الآمن، وهناك من يختار الطريق الذي يُشبهه.
في كرة القدم السعودية، كان الطريق واضحًا وممهّدًا (البقاء، النجومية المحلية، عقود أكبر، وحضور دائم في دائرة الضوء)، لم تكن أوروبا يومًا الخيار الأكثر إغراءً، فالرواتب أقل، والغربة ثقيلة، واختلاف في كل التفاصيل التي يصعب التكيّف معها، لذلك، لم يكن «حلم اللعب في أوروبا» أولوية حقيقية، بل فكرة بعيدة لا تستحق المغامرة.
لكن سعود عبدالحميد لم يكن يبحث عن الطريق الطبيعي، الممهد، كان يبحث عن المعنى، عن القيمة الفنية، عن التاريخ الذي يمكن كتابته دائمًا، طالما أن الحبر ما زال يملأ المحبرة.
كان يمكن له أن يصبح اسمًا أكبر في الدوري السعودي، أن يراكم الأرقام ويصنع مجدًا محليًا مريحًا.
كانت ملامح مسيرته مع الكبير نادي الهلال، زعيم القارة الآسيوية، وسيد الذهب السعودي، تشير إلى ذلك بوضوح، كل شيء كان يسير كما يجب، إلا أنه قرر أن يُربك هذا المسار بنفسه!اختار أن يتنازل عن المال، عن الحلم الآمن، عن البقاء في الدائرة نفسها، مقابل احتمال (احتمال أن يفشل، واحتمال أن ينجح بطريقة لم يسبقه عليها أحد).
حين وصل إلى إيطاليا، تحديدًا «روما» (المدينة والنادي)لم تُفتح له الأبواب فورًا، لم يكن هناك ترحيب خاص، ولا فرصة مضمونة.
مجرد لاعب جديد، من بيئة كروية لا يلتفت لها الأوروبي كثيرًا ولا يأبه بها، يحاول أن يجد لنفسه مكانًا.
ثم جاءت محطة نادي «لانس» الفرنسي حيث الحقيقة أكثر قسوة، وقت طويل على الهامش، فرص قليلة، اختبارات صامتة لا يراها أحد.
كان بإمكانه العودة، وأن يبرر ذلك بسهولة، سيجد قائمة طويلة من الأسباب المقنعة، لكن ما فعله كان أبسط وأصعب في آنٍ واحد (لقد صمد).
آمن بنفسه حين لم يكن هناك ما يدعو للإيمان، وانتظر فرصته دون أن يساوم على جاهزيته لها.
ومع الوقت، تغيّر كل شيء.
لم يقفز فجأة إلى القمة، بل صعد إليها خطوة بخطوة، كسب ثقة المدرب «بيير ساج»، ثم كسب مكانه، ثم كسب احترام الملعب نفسه، حتى جاء عام 2026 حيث لم يعد مجرد لاعب يُجرَّب، بل لاعب يُعتمد عليه.
في مباراة تقود إلى نهائي كأس فرنسا، كان حاضرًا كما يجب، تمريرتان حاسمتان، وتأثير مباشر في لحظة لا تحتمل التردد.
هناك، لا تُقاس التجربة بعدد السنوات، إنما بقدرتك على الإمساك باللحظة حين تمر.
وسعود أمسك بها بقوة.
ما فعله لا يُختصر في أرقام أو تمريرات حاسمة.
هو كسر لفكرة راسخة، أن اللاعب السعودي لا يحتاج أوروبا، أو أن أوروبا لا تحتاجه.
أصبح أول لاعب سعودي يصل إلى نهائي في إحدى الدوريات الخمس الكبرى، وهذا ليس إنجازًا فرديًا فقط، بل نافذة، نافذة ستجعل الفكرة ممكنة للآخرين.
قصة سعود ليست عن موهبة فقط، إنها عن شجاعة، عن لاعب قرر أن يخسر كثيرًا في البداية، ليكسب نفسه في النهاية، عن إيمان هادئ، يؤذَى، لكنه لا يتراجع.
عن فرصة تأخرت، لكنها حين وصلت، وجدت من يستحقها.
وهذا هو الفارق كله، الفارق الذي صنعه سعود ولم يتصنّعه.
ليست كل الطرق تُقاس بمدى سهولتها، بل بقدرتها على أن تصنعك كما يجب، وسعود لم يذهب إلى أوروبا ليكون حاضرًا فقط (اسمًا ورقمًا أضافيًا)، إنما ليثبت أن الجرأة تصنع الفارق حين يعجز المنطق عن ذلك، وأن الحضور الحقيقي يُنتزع لا يُمنح، وهكذا، لم يغيّر مساره فقط، لقد غيّر الفكرة كلها.
أن تكون كل شيء في مكان، ثم تجد نفسك لا شيء في مكانٍ آخر، وتبدأ بمطاردتك تلك الجملة التي تخنق كبار اللاعبين: «لم تعد كبيرًا.
أنت مجرد صغير يزداد صغرًا»، ومع ذلك، لم تخنقه، لأنه لم يكن يقيس نفسه بما كان، بل بما يمكن أن يكون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك