«حتى لا يطير الدخان» واحدة من روايات الكاتب إحسان عبد القدوس، صدرت عام 1977 وتحولت إلى فيلم سينمائي عام 1984 فزاد الاهتمام بها كحالة نقدية موضوعية لفترة الانفتاح الاقتصادي.
وقد زاد التأثير الجماهيري بازدياد شعبية البطل عادل إمام الذي أدى دور «فهمي عبد الهادي» الشاب الفقير المُتمرد على طبقته الاجتماعية والطامح في الصعود إلى طبقة الأثرياء، للانتقام من الفقر والعوز، اللذين أثرا على تكوينه النفسي والإنساني، فأصبح نهما للمال وناقما على المجتمع الطبقي الرأسمالي، الذي لا يعترف بحقوق الفقراء وأحلامهم البسيطة.
رصد إحسان عبد القدوس في روايته قسوة الطبقة الأرستقراطية، ورد الفعل التلقائي من جانب الأغلبية المسحوقة، واشتغل على هذه الثنائية فنياً ودرامياً بإحكام ومهارة، ما جعل الرواية مُغرية سينمائياً ودفع السيناريست مصطفى محرم لاستغلالها الاستغلال الأمثل، كمادة خام لعمل إبداعي خاص ومُختلف على النحو الذي ظهر في أحداث الفيلم.
لقد اعتمد مُحرم في المُعالجة الدرامية للرواية على عنصر رئيسي تمثل في التعاطف والانحياز الكاملين مع البطل والبطلة، «فهمي وسنية»، أو عادل إمام وسهير رمزي، بوصفهما مُمثلان للغالبية العُظمى من الطبقة الشعبية الفقيرة التي أنهكها الحرمان وضيع أحلامها الفقر، لقلة الفرص المُتاحة في التعليم والوظيفة.
ما أدى إلى انحراف بعض النماذج التي لم تقو على مقاومة الاضطهاد والظُلم، فاستسلمت رغماً عنها، إما للبؤس أو الاستغلال كنتيجة حتمية للظروف القاسية اللاإنسانية.
وبهذه الفرضية جاءت أحداث الفيلم مُترجمة للواقع المرير الذي امتد زمنه، حتى حانت فرصة الاستغلال التاريخية بتطبيق نظام الانفتاح الاقتصادي، الذي قلب الحياة الاجتماعية في مصر رأساً على عقب، إبان فترة السبعينيات، وأحل مبدأ الفهلوة في النشاطات التجارية فبرزت سلوكيات غير سوية، كالتهريب والسمسرة وخلافه، فصعدت بفعل تلك المُمارسات الشاذة الطبقة الطفيلية، التي ما زالت جذورها إلى الآن ضاربه في عمق البيئة الاقتصادية.
وبالمُضي في المسار المُعاكس زادت حدة الانفلات، فأصبح تهريب المُخدرات وتعاطيها وتجارتها، أمراً مُستباحاً في عُرف الخارجين على القانون والمُتحكمين في السوق الموازية، وعليه كان على السينما رصد الظاهرة بكل أبعادها المؤثرة.
وبناءً على ذلك قدم الثنائي مصطفى محرم وأحمد يحيى رؤيتهما السينمائية بتدقيق شديد، كي تتم بلورة الفكرة بالإحاطة الكاملة للتفاصيل كافة، مع الربط بين الانحراف الأخلاقي لمسيرة البطل المتحول، الذي غاص في لُجة الجريمة والفساد، وتمكن بتأثير رأس المال والثروة من الحصول على مقعد في البرلمان، بالإضافة إلى تأسيس العديد من الشركات والمؤسسات الاقتصادية الكُبرى بطرق مُحرمة ومُجرمة قانونا، مُقابل الرشاوى والإغداق السخي للمُنحرفين الكبار من أصحاب النفوذ في الفترة الزمنية المُشار إليها في الفيلم.
وعلى صعيد آخر تم تلويث العناصر النقية المجبولة بالفطرة على الفضيلة والخُلق الكريم كـ»عوض»، (أحمد راتب) الشاب الريفي الهارب من استبداد الجوع إلى جنة النعيم في دائرة «فهمي عبد الهادي» الانتخابية، بعد أن صار عين أعيان المحروسة، حيث ارتقى عوض من مجرد فراش إلى خبير في استلام المُخدرات وتسليمها عبر وسطاء مُحترفين في عمليات البيع والتوزيع بمُنتهى الكتمان والسرية.
بيد أن الصديق الوفي لفهمي أو عادل إمام (سناء شافع) قد تراجع مستواه الاجتماعي إلى الحدود الدنيا، إذ أصبح مديناً مُفلساً وانتقل من خانة التصنيف الأرستقراطي كابن باشا سابق، إلى انتهازي مُستفيد من ثراء الصديق الطفيلي المُتسلق، حتى إن شقيقته الفتاة الجميلة (نادية أرسلان) تنازلت عن كبريائها وعرضت نفسها على البطل مُقابل المال وطمعاً في الزواج بعد تكبرها وتجبرها وغطرستها.
وقد أشارت تلك التحولات الفجائية القسرية إلى معانٍ كثيرة، ربما أهمها كما أسلفنا انقلاب القاعدة الاجتماعية، وتآكل الطبقة الوسطى وصعود طبقة الإقطاعيين الجُدد في صورة تجار وسماسرة ومُنتفعين.
ما أصاب عمق المُجتمع بهزات أرضية مخيفة ومُرعبه، أدت إلى تصدع القيم والثوابت.
لكن ظلت هناك قلة قليلة من أبناء الطبقة الكادحة قابضة على جمر الفضيلة، رغم فداحة التحديات، وضيق ذات اليد والهوان الشديد، تلك النماذج عبرت عنها «سنية» بنت البيئة الشعبية بسماتها الأخلاقية، واعتزازها بأصلها كفتاة مكافحة.
وهي الشخصية التي جسدتها سهير رمزي كقيمة إنسانية استثنائية، لا تزال لديها القُدرة على المقاومة وصد مُحاولات انتهاك شرفها والنيل من كرامتها، من قبل العناصر البورجوازية المغرورة.
لكن مع الاعتراف بجودة الفيلم الفنية وخصوصيته الإبداعية، يبقى هناك عوار واضح في صياغة الأحداث ومنطقيتها، تسبب فيه كاتب السيناريو مصطفى محرم ولم يأبه به المخرج أحمد يحيى، هذا العوار تمثل في قبول سنية البنت الشريفة، المُتعففة عن المال الحرام الزواج من فهمي، صاحب النفوذ والتركة الملوثة، وهو نموذج للفساد والإفساد.
كأن هناك تبرير ما مقصود لمسيرة البطل ورحلته تحت شعار الشفقة، كونه مريضاً بمرض عُضال ويسعى للتطهر بما يُبديه من طيبه وتعاطف ظاهر مع الفقراء من أبناء الحارة، بمنحهم قليلا من المال لزوم المساعدة.
كما أن مشهد النهاية الذي مات فيه فهمي عبد الهادي أثناء حفل زفافه على سنية، كان مُفتعلاً وخارجا تماماً عن السياق الموضوعي للأحداث، ومنبت الصلة بما قبله من المشاهد الأساسية التي بموجبها شكلّ المُتلقي رأياً قاطعاً في الشخصية الرئيسية، وأستقر حكمة النهائي عليها بالرفض التام والمُطلق كناية عن رفضه لأشكال الفساد ونماذجه كافة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك