لقد فتحت إسرائيل جبهات عدة سعياً لترسيخ هذا الواقع، وهندسة حدودها وحضورها الاستراتيجي كقوة مناكفة في المنطقة؛ فانطلقت من إعادة احتلال مساحات واسعة من قطاع غزة، وتمددت نحو الشرق باحتلال مناطق داخل سوريا، ثم شمالاً باتجاه نهر الليطاني في لبنان، وصولاً إلى الضفة الغربية شرقاً، في عملية ممنهجة لتسريع وتيرة الاستيطان وتوسيع رقعته الجغرافية.
هذا الانشغال الإسرائيلي بالجبهات السبع، لا ينطلق من كونه ضرورة أمنية كما يروج الخطاب الرسمي، بل هو محاولة لإحداث تغييرات بنيوية على قضايا الحل النهائي مع الفلسطينيين، وفرض واقع جديد على السوريين واللبنانيين على حد سواء.
فبالنسبة للفلسطينيين، سعت إسرائيل إلى الإجهاز على قضية اللاجئين ـ إحدى قضايا الحل النهائي الخمس ـ إذ دمر جيش الاحتلال كافة مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية وسوّاها بالأرض، مع التضييق على فرق عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين إحدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة والتي تكفلت بتوفير الاحتياجات الأساسية والتعليمية والإغاثية للاجئين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء على امتدادها الجغرافي، وقطع المرافق الأساسية عن مقراتها، والسيطرة على منشأتها ومرافقها.
كما أن وتيرة الاستيطان المتسارعة في الضفة الغربية، وسط صمت دولي وعجز فلسطيني عن مواجهة ميليشيات المستوطنين، تهدف إلى إمالة الكفة الديمغرافية لصالح إسرائيل، وخنق الفلسطينيين جغرافياً؛ لتحويل مناطقهم إلى بانتسوتانات معزولة على غرار نظام الفصل العنصري (الابارتهيد) في جنوب أفريقياً.
لعل استهداف إسرائيل للمناطق السكنية في مختلف جبهات الصراع بالقصف والهدم الممنهج، كما حدث في قطاع غزة وجنوب لبنان وحتى في المناطق التي احتلتها إسرائيل في سوريا، هو خير دليل على سعيها في خلق واقع ديمغرافي جديد عبر إعادة هندسة الجغرافيا؛ توطئة لحملة استيطان مسعورة لا يجد اليمين الإسرائيلي غضاضة في الإعلان عنها والاحتفاء بها على مرأي ومسمع من العالم أجمع.
يبرز هنا تساؤل جوهري: هل يمكن لهذا التمدد الجغرافي تحصين مستقبل إسرائيل، أم أنه استجابة قلقة لأزمة وجودية داخلية؟ فبعيداً عن حقيقة العقيدة الاستعمارية والتوسعية لإسرائيل منذ نشأتها، يبدو التصعيد الممنهج الذي يقوده بنيامين نتنياهو محاولة لترحيل الأزمات الداخلية إلى الخارج؛ إذ يقابل التمدد في الميدان العسكري انكماش سياسي وتشرذم اجتماعي حاد في الداخل.
لربما أراد نتنياهو اجترار حلول هتلرية أو بونابرتية لحل معضلته الداخلية؛ فلم يحظ هتلر بالتفاف شعبي حوله إلا بعد توالي الانتصارات العسكرية والتمدد نحو احتلال دول أخرى.
ونابليون بونابرت استخدم الحروب التوسعية كأداة لتثبيت شرعيته، ومنح المجتمع الفرنسي شعوراً بالفخر بدلاً من الصراع بين طبقاته.
ورغم نجاح هذه المقامرات التوسعية مرحلياً في توحيد جبهاتهما الداخلية، إلا أن نهايتها المأساوية كانت درساً تاريخياً.
يثبت لنا التاريخ أن الجغرافيا المكتسبة بقوة السلاح وحدها تصبح مع الوقت عبئاً ثقيلاً لا رصيداً استراتيجياً؛ لذا، فإن رهان نتنياهو على الهروب من واقع سياسي داخلي ممزق، وانقسام اجتماعي عمودي، بخرائط توسعية وانتشار عسكري جغرافي، ليس إلا رهاناً على الوقت، قد ينتهي بالمشروع وصاحبه إلى نفس المصير المأساوي لكل من ظن أن التوسع الاستعماري يمكن أن يرمم التصدعات الداخلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك