روسيا اليوم - مواجهات عنيفة في جنوب لبنان رغم اتفاق وقف النار وحزب الله يؤكد: فجرنا عبوات ناسفة في قوة إسرائيلية قناة العالم الإيرانية - بوتين: روسيا مستعدة لدعم حل يخفف التوتر حول إيران روسيا اليوم - لافروف: واشنطن تراجعت عن تعهداتها بشأن أوكرانيا.. والغرب يسعى لمحاصرة روسيا وإعادة رسم المنطقة وكالة سبوتنيك - قائمة أكثر الدول قضاء للوقت على شبكة الإنترنت روسيا اليوم - محسن رضائي: المسودة الحالية لمذكرة التفاهم تحتاج إلى توضيح التلفزيون العربي - إحياء خط الحجاز.. ما أهداف تركيا وما الدور الذي سيلعبه في المنطقة؟ القدس العربي - مونديال 2026.. ساحل العاج تلحق هزيمة ودية مفاجئة بفرنسا روسيا اليوم - ترامب: هانتر بايدن يمتلك فرصا في انتخابات 2028 الرئاسية إيلاف - رحيل مارجان ساترابي الفنانة التي كسرت الصور النمطية عن إيران روسيا اليوم - فيديو يظهر أضرارا جسيمة إثر حريق على متن حاملة الطائرات "جيرالد آر فورد" خلال حرب إيران (فيديو)
عامة

تجميل وجه الحرب

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 شهر
2

ستة أسابيع من الحرب قد تبدو قليلة في تقاويم الحروب الكونية. وبالكاد هناك فاصلة صغيرة بين معركتين، أو رقم عابر في تقرير عسكري، أو هامش في أرشيف سيحمله مؤرخ متعب بعد سنوات. لكنها في عالمنا، هذا العالم ا...

ملخص مرصد
ستة أسابيع من الحرب غيرت معالم الحياة في المدينة، حيث أغلقت مقاهي وأجريت عمليات تجميل للوجوه، واختفت تفاصيل يومية كانت تشكل هوية المكان. الحرب لم تغير العالم فقط، بل غيرت نظرتنا إليه، فباتت الذكريات تتعرض للتزييف، والحياة تستمر رغم الألم. الناس عادوا إلى الشوارع لكنهم يحملون خوفاً لم يغادرهم، بينما الحرب غيرت ملابسها لتختبئ في الداخل.
  • أغلقت مقاهي وغيبت النظارات الطبية، وغيّرت وجوه الأصدقاء بعد عمليات تجميل.
  • الحرب غيرت الأولويات وجعلت الحياة تستمر رغم الخسائر الكبيرة.
  • الناس عادوا إلى الشوارع لكنهم يشعرون بالغربة عن عالمهم القديم.
أين: مدينة أحبها الكاتب

ستة أسابيع من الحرب قد تبدو قليلة في تقاويم الحروب الكونية.

وبالكاد هناك فاصلة صغيرة بين معركتين، أو رقم عابر في تقرير عسكري، أو هامش في أرشيف سيحمله مؤرخ متعب بعد سنوات.

لكنها في عالمنا، هذا العالم الذي يتحرك بالسكرول والإكسبلور، تبدو زمناً طويلاً إلى حد نسيان بدايتها: لماذا اندلعت هذه الحرب؟ من أطلق القذيفة الأولى؟ من كذب أولاً؟ ومن صدق الكذبة لأنها كانت مريحة له أكثر من الحقيقة؟في الهدنة، التي لسبب ما يصرون على تسميتها «الهدنة الهشة»، كأنهم يريدونها أن تبقى كذلك، يدرك المرء أن الحرب ليست حدثاً ينتهي حين تسكت المدافع.

الحرب عند اللاعبين الكبار واحدة من أفضل هواياتهم.

أولئك الذين يفضلون الصواريخ على الألعاب النارية، والخرائط على الوجوه، والبيانات على وجوه الأمهات والحبيبات الحزينات، وأسعار النفط المتحركة على قلوب العائدين من الملاجئ.

في هذه الهدنة الخجولة، يخرج الإنسان من معتكفه ليتفقد عالمه قبل الحرب، فيكتشف أن الحياة قبل الثامن والعشرين من فبراير الماضي ليست هي نفسها بعد ذلك التاريخ.

ستة أسابيع من ضياع الحقيقة، أولى ضحايا الحروب كانت كافية لتغيير الأصدقاء، أو بالأحرى تغيير الخطوط التي كانوا يقفون عندها.

لم يعد الناس الذين نعرفهم كما كانوا.

بعضهم صار أكثر قسوة في الدفاع عن الطرف الذي لا يعرف لماذا هو معه بالضبط، وبعضهم صار أكثر صمتاً، وبعضهم انحاز إلى خوفه وسماه موقفاً.

ومرة غبتُ فترة عن مدينة أحببتها، مدينة كانت تشبه فضاء حرية آمناً ومريحاً.

عدت إليها بلهفة قديمة خبأتها في حقائب العودة، فوجدت المقهى الأليف الذي كنت أكتب فيه أجزاء من روايتي وبعض مقالاتي قد أغلق لأسباب مالية.

صديقتي المقربة أجرت عملية لعينيها وتخلت عن نظارتيها.

والصديقة المشتركة بيننا خضعت لعمليات تجميل.

هكذا، دفعة واحدة، اختفت الأشياء الثلاثة التي كانت تشكل لي ملامح تلك المدينة: المقهى، والنظارتان، والوجه القديم.

النهر لا يعرف نفسه بعد أن نبني عليه سداً، والغيمة لا تتذكر صورتها بعد أن تبعثرها الريح إلى نتف باهتة متفرقة، وحياتنا هي تدفق نهر أيامنا الذي يجري من دون أن نعيره انتباهاً جدياً.

هكذا أخاف أن أستأنف حياتي بعد اعتكاف الحرب، فأجد كل ما أتلهف لرؤيته قد تخلّى عن نظارتيه الطبيتين ليراني بوضوح شديد، بينما أنا لا أعرفه.

الزمن الذي لا نحن فيه يتخطانا، ويؤسس حضارات سريعة الزوال من خامات مختلفة.

هكذا تراقب الأجيال بعضها وتقول بحسرة وألم: حقاً لقد تغير الزمن.

كنا نعتقد أن الزمن أفقي، نعوم فيه مثل أسماك ضالة، أو سماء فسيحة نقطعها مثل طيور مهاجرة لا تتذكر من أين انطلقت ولا إلى أين تذهب، لكن الهجرة غريزتها الأبدية.

ثم علمتنا الحياة أن الزمن ليس طريقاً، هو «تايم لاين» آخر، يستعرض لقطات حياتنا أمام الذين نعرفهم ويعرفوننا، وكذلك أمام الذين نجهلهم ويجهلوننا.

في البحث عن الزمن الضائع، يقول مارسيل بروست إن الذاكرة الحقيقية لا تأتي حين نستدعيها، بل حين تفاجئنا.

قطعة كعك، أو رائحة شاي، أو ضوء على جدار، أو مقعد قديم في مقهى.

لكن ماذا لو أتت الذاكرة ولم تجد مكانها؟ ماذا لو عاد الإنسان إلى مدينته مثل بطل بروست، باحثاً عن زمنه، فوجد أن المقهى الذي كان يحفظ صوته صار صيدلية، وأن الشارع الذي كان يعرف خطاه صار واجهة زجاجية لصالون تجميل، وأن الوجوه التي أحبها صارت نسخاً مطورة عن نفسها، أكثر شباباً وأقل صدقاً؟ !كتب بروست: «الزمن الذي ضاع لا يُستعاد إلا في الذاكرة».

لكن الذاكرة نفسها، في زمن الحروب، تصير جبهة قتال.

كل طرف يريد أن يطبع فيها روايته، وكل بيان يريد أن يحتل الحقيقة، وكل صورة تريد أن تصير دليلاً، وكل «خوارزمية» تريد أن تقرر لنا من هو الضحية ومن القاتل.

في خفة الكائن التي لا تحتمل، جعل ميلان كونديرا الحياة معلقة بين الثقل والخفة.

الحرب أول من تفعل ذلك؛ تجعل الموت ثقيلاً، والحياة خفيفة إلى حد مهين.

فجأة تصبح الأشياء التي كنا نعدّها أساسية ترفاً: كوب قهوة في زاوية من مقهى آمن، مكالمة طويلة بلا حذر، ونوم عادي من دون تنبيهات عاجلة، وصباح لا يبدأ بعدد الصواريخ والمسيّرات.

في الحرب لا يتغير العالم لأنه ينهار، يتغير لأنه يواصل الحياة من دونك، وهذه هي الخيانة الكبرى؛ أن تخرج من الخوف لتجد أن المحلات فتحت، وأن الناس اشتروا ثياباً جديدة، وأن أحدهم تزوج، وأن آخر بدّل صورته الشخصية، وأن من كنت تنتظر منه شوقاً ولهفة صار يكتب عن العناية بالبشرة.

ليس لأنهم عديمو الإحساس، بل لأن الحياة، مثلما قال كامو في معنى قريب، لا تنتظر إذناً من المأساة كي تستمر.

استمرار الحياة نفسها ليس دائماً علامة شفاء، أحياناً هو شكل آخر من أشكال الهروب.

نعود إلى الشوارع المألوفة ليس لأننا اطمأننا، بل لأن البقاء في الداخل صار شبهاً بالتواري البطيء عن الوجود.

نفتح النوافذ ونمني النفس بأن الهواء صار نقياً، لكن رائحة الخوف في الغرف المعتمة لا تطاق.

نرتدي ملابسنا ونخرج، ونقول لأنفسنا إن «الهدنة» بدأت، بينما نعرف في أعماقنا أن الحرب لم تغادر، بل غيرت ملابسها هي الأخرى، وجلست تنظرنا في الداخل تحت السقف أو في الخارج تحت السماء.

ستة أسابيع ليست زمناً طويلاً في التقويم، لكنها كافية لأن تجعل الإنسان غريباً عن بيته، كافية لأن تغير ضجيج المدن ومساحات الصمت وترتيب الأولويات، كافية لأن نكتشف أن العالم القديم لم يكن قوياً كما ظننا، وأنه كان مثبتاً بعلامات متحركة: المقهى، نظارة صديقتي، وجه الصديقة الثالثة، وعادة يومية، وجملة نكررها دون انتباه، وطريق إلى البيت.

وحين تنتهي الحرب، أو تدعي أنها انتهت، لا نعود كما كنا؛ نعود مثل من عبر نهراً ثم التفت فلم يجد الضفة التي جاء منها، نعود محملين بسؤال واحد: هل تغير العالم فعلاً، أم أننا نحن الذين أصبحنا نراه أخيراً بلا نظارات صديقتي التي تخلت عنها دون أن تحترم ذاكرتنا المألوفة عنها، والتي تم انتزاعها عنا عنوة لنهوي معاً في بئر الغربة؟ كيف نرى الأشياء بلا نظارات كنا نعرفها أكثر من الحقيقة نفسها! إن كل تلك الوجوه الغريبة التي كنا نألفها هي رديف منتجات الحرب كما لم نعرفها من قبل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك