يستند مقال Foreign Affairs الموسوم بـ”أمريكا خسرت العالم العربي” إلى أرضية بحثية صلبة، هي بيانات مشروع Arab Barometer، أحد أرسخ الأدوات الاستطلاعية في رصد المزاج العام العربي، حيث شمل الاستطلاع ثماني دول متباينة جغرافيا وسياسيا وهي مصر والعراق والأردن ولبنان والمغرب وفلسطين وسوريا وتونس، وأجري في القترة الممتدة بين غشت ونونبر 2025، أي في مرحلة بالغة الحساسية تلت حرب الاثني عشر يوما على إيران، لكنها سبقت الجولة الأخيرة من المواجهة المسلحة.
هذا التوقيت الدقيق يمنح البيانات قيمة تحليلية استثنائية، إذ يتيح قياس التحولات في الرأي العام بمعزل عن الصدمة الآنية، ويثبت أن ما رصده الباحثون ليس رد فعل عابرا، بل ترسخ موقف.
تقدم الأطروحة المركزية للمقال استنتاجا جريئا، يستند إلى التسليم بأن المنطقة العربية تعيش تحولا عميقا في بوصلتها الجيوسياسية، لا مجرد موجة سخط ظرفية، فقد فقد الناس في المنطقة ثقتهم شبه الكاملة بالنظام الذي تقوده واشنطن، وباتوا ينظرون إلى الصين وإيران وروسيا نظرة أكثر إيجابية مما ينظرون به إلى الولايات المتحدة، بل وكثيرا ما تفوق نظرتهم السلبية لأوروبا أيضا.
ما يجعل هذا الاستنتاج ثقيل الوطأة هو أنه يصدر عن مجلة تعد تاريخيا المنبر الرئيسي للمؤسسة الاستراتيجية الأمريكية، أي أنه ليس خطابا معاديا من الخارج، بل هو إنذار داخلي.
جذور الأزمة: من غزة إلى طهرانلا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن مساره التاريخي، حيث أنه من الصحيح أن أحداث السابع من أكتوبر 2023 شكلت نقطة الانكسار الكبرى، إذ مع مشاهدة الشعوب العربية يوميا صور الدمار في غزة، انقلب الرأي العام بحدة ضد إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الامريكية، غير أن الأزمة أعمق من حرب وحيدة، فهي نتاج تراكم ممتد على مدى عقود، إذ ترى مبررات امتدادها في الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما خلفه من فوضى وطائفية، والصمت على الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، وخطاب الديمقراطية الذي لم يتحول إلى سياسات حقيقية، حيث أن غزة لم تفتح جرحا جديدا بقدر ما فتحت عيون من كانوا يرفضون الاعتراف بجرح قديم.
وقد أتت اتفاقيات أبراهام لتعمق الإشكالية لا لتعالجها؛ فقد صممت كمشروع لإعادة هندسة المنطقة حول محور إسرائيلي-خليجي في مواجهة محور الممانعة، متجاهلة الرأي العام العربي ومسألة فلسطين الجوهرية، ومنذ اندلاع الحرب، بدأت تتكشف هشاشة هذا البناء، فالسعودية التي كانت على أعتاب التطبيع تراجعت، ودول الخليج وجدت نفسها تحت رحمة صواريخ إيرانية تستهدف بنيتها التحتية بسبب تحالفها الأمني مع واشنطن، دون أن تحصل على ضمانات أمنية أمريكية حقيقية في المقابل.
والحرب الأخيرة مع إيران ليست سوى فصل إضافي في هذا المسلسل، فهي في نظر الرأي العام العربي ليست دفاعا عن الاستقرار الإقليمي، بل امتداد للمنطق ذاته الذي حكم التعاطي مع غزة، حيث تطغى القوة العسكرية الأمريكية في خدمة الأجندة الإسرائيلية، مهما كانت التكاليف على المنطقة.
تكشف البيانات عن مفارقات لافتة تستحق التأمل، حسب ما كشف عنه الاستطلاع، إذ تتراوح شعبية الصين في الدول العربية بين 37% في سوريا و69% في تونس، وهي أرقام تتخطى الولايات المتحدة بفارق واسع في معظم الحالات، أما إيران فرغم تناقضاتها الصارخة، وخاصة في سوريا حيث لا تتجاوز شعبيتها 5%، فإن مؤشر تأييدها ارتفع في العراق بعشرين نقطة وفي الأراضي الفلسطينية باثنتي عشرة نقطة خلال السنوات الخمس الأخيرة، غير أن الأكثر إثارة للدهشة هو أن 58% من الأمريكيين أنفسهم يرفضون الضربات العسكرية ضد إيران، في دليل على أن أزمة التوافق ليست عربية وحسب.
لكن هذه الأرقام تستوجب قراءة ثانية أكثر تعقيدا، فارتفاع شعبية إيران في الشارع العربي لا يعني بالضرورة تأييدا للمشروع الإيراني أو لإيران كدولة، بل يعكس في أحيان كثيرة لغة تعبيرية سياقية، حين لا يجد المرء من يعبر عن رفضه لسياسة ما، فإنه يعلي من شأن من يقف في وجهها، وتجسد بالمحصلة شعبية بالسلب لا بالإيجاب في غالب الأحيان.
على الرغم من رصانة المقال ومنهجيته الصارمة، تبرز ثلاثة محاور نقدية جوهرية تستحق الوقوف عندها:أولا: مغالطة قياس الشعبية بالرأي العام فقطيعتمد المقال اعتمادا شبه كلي على استطلاعات الرأي كمؤشر لقياس النفوذ الجيوسياسي، وهذا منهج وجيه لكنه ناقص، لأن النفوذ الفعلي يقاس أيضا بالبنية التحتية الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، حيث لا زالت الولايات المتحدة تمتلك قواعد عسكرية في قطر والبحرين والكويت، وشبكة تحالفات حكومية متينة، وحضورا ماليا ضخما، وهو ما يحيل الى خلاصة مفادها أن خسارة الشارع ليست مرادفة لخسارة المنطقة، وإن كانت بوادر أزمة حقيقية.
ثانيا: الفجوة الهيكلية بين الشارع والسلطةيشير المقال إلى أن الزعماء العرب ينتبهون للرأي العام خشية موجات الاحتجاج، غير أنه لا يعمق هذه المسألة بما يكفي، حيث تم إغفال استمرار وجود هيكلية عميقة تاريخيا بين ما يفكر فيه الشارع وما تقرره الكثير من الحكومات العربية التي لا تأتي من صناديق الاقتراع، لأن مصر على سبيل المثال ترتبط بواشنطن بمليارات الدولارات من المساعدات العسكرية السنوية، والخليج مرتبط باتفاقيات أمن ونفط لا تكسرها استطلاعات الرأي بسهولة، وهو ما يطرح بحدة سؤالا حقيقيا لم يجب عنه المقال بوضوح: متى يتحول انهيار الشرعية الشعبية إلى تحول في القرار الرسمي؟ثالثا: تبسيط المشهد الإيراني-الروسي-الصينييقدم المقال ارتفاع شعبية هذا الثلاثي كبديل محتمل للهيمنة الأمريكية، لكنه لا يناقش حدود هذا النموذج البديل، لأن الصين لا تملك قدرات أمنية لتوفير ضمانات لدول الخليج بديلا عن المظلة الأمريكية، بيد أن وروسيا بعد تورطها في أوكرانيا تبدو منهكة وغير قادرة على ملء فراغ، في ظل دخول إيران مرحلة ما بعد خامنئي المفتوحة على كل الاحتمالات، وهو واقع يشي بأن الشعبية العابرة لقوة ما لا تعني قدرتها على بناء نظام بديل.
ويضاف إلى كل ما سبق متغير خطير لا يتناوله المقال بعمق كاف، يتمثل في الانهيار المؤسسي في الجهاز الدبلوماسي الأمريكي، فقد أقيل عشرات المختصين في الشأن العربي والإيراني، من بينهم ثلاثة عشر دبلوماسيا ناطقا بالعربية وأربعة بالفارسية، دربوا على حساب دافع الضرائب الأمريكي، وهو ما يفسر أن الإدارة الامريكية تفتقر إلى الأدوات البشرية والمعرفية لتصحيح مسارها سياسيا في المدي القريب والمتوسط، لأن الأزمة ليست في الإرادة السياسية وحسب، بل في القدرة على الترجمة والفهم والتواصل مع الشارع العربي.
رغم عمق الخسارة عميقة، القصة لم تنته بعديبقى المقال وثيقة تشخيصية قيمة تكشف عن اتجاهات حقيقية لا يمكن تجاهلها، لكن خلاصته التي يوحي بها عنوانه “أمريكا خسرت العالم العربي”، تحتاج إلى تدقيق.
لأن الخسارة هي خسارة الشرعية الشعبية والثقة الأخلاقية، لا خسارة النفوذ الهيكلي بالكامل، فالفارق بين الاثنين ليس هامشيا، لأن الأول يفضي إلى الثاني إن لم يعالج، وقد تكون المنطقة أمام مرحلة انتقالية تتشكل فيها خرائط النفوذ ببطء لكن بثبات، حيث لا تزال واشنطن تملك نوافذ، لكنها توصدها واحدة تلو الأخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك