لا يشرب الناس القهوة من أجل مذاقها فقط.
في كثير من البيوت والمكاتب والمقاهي، تأتي القهوة محمّلة بما هو أكبر من حبوب مطحونة وماء ساخن.
تأتي كموعد، كاستراحة، كبداية يوم، كذريعة للقاء، أو كفاصل صغير بين جزء من الحياة وجزء آخر.
وتحوّلت القهوة من مشروب إلى علامة.
علامة على الصباح، على الصداقة، على العمل، على الانتظار، وعلى الحاجة إلى لحظة خاصة وسط الزحام.
ليست القهوة دائمًا طقسًا فاخرًا أو صورة جميلة على طاولة مرتبة.
قد تكون في كوب ورقي على عجل، أو في فنجان قديم في مطبخ البيت، أو في إبريق يغلي في استراحة قصيرة.
لكنها، في كل هذه الصور، تمنح اليوم نقطة يمكن الوقوف عندها.
يربط كثيرون القهوة ببداية النهار.
لا لأنّها تُوقظ الجسد وحده، إنّما لأنّها تمنح الصباح شكلًا مألوفًا.
ففنجان القهوة هو الحركة الأولى بعد الاستيقاظ، أو المكافأة الصغيرة بعد الوصول إلى العمل، أو الرفيق الصامت أثناء قراءة الأخبار.
وفي هذه اللحظة، لا تكون القهوة مجرد عادة.
تصبح طريقة للانتقال من حالة إلى أخرى: من النوم إلى اليقظة، من البيت إلى العمل، من الفوضى إلى التركيز.
ولهذا يشعر البعض أن يومهم لم يبدأ فعلًا ما لم تمرّ لحظة القهوة.
والقهوة هنا تُشبه إعلانًا صغيرًا: انتهى وقت الاستعداد، وبدأ اليوم.
وقد يكون هذا الإعلان ضروريًا في حياة تتداخل فيها الحدود بين البيت والعمل، وبين الوقت الشخصي والوقت المفروض.
في ثقافات كثيرة، لا تُقدَّم القهوة بوصفها مشروبًا فقط، إنها جزء من استقبال الآخر.
حين تدخل بيتًا ويُسأل: " تشرب قهوة؟ "، فالسؤال يحمل معنى أوسع من الضيافة.
إنه يقول إن هناك وقتًا للجلوس، وإن الزائر ليس عابرًا تمامًا.
وفي المقاهي أيضًا، تتحوّل القهوة إلى غطاء اجتماعي.
كثير من العلاقات لا تبدأ بموعد رسمي، إنّما بفنجان.
صديق قديم، زميل عمل، شخصان يحاولان كسر مسافة أولى، أو حتى إنسان يريد الجلوس وحده بين الناس من دون أن يبدو وحيدًا بالكامل.
والقهوة تسمح بهذا كله.
تمنح اللقاء شكلًا بسيطًا، وتُخفّف ثقل الكلام المُباشر.
فبدل أن نقول" أحتاج إلى الحديث"، نقول: " لنشرب قهوة".
وبدل أن نعترف بأنّنا نحتاج إلى صحبة، نختار مقهى ونطلب فنجانًا.
استراحة صغيرة من سرعة اليوموفي زمن السرعة، صارت القهوة أيضًا طريقة لإبطاء الإيقاع.
حتى حين تُشرب بسرعة، تحتفظ بفكرة الاستراحة.
دقائق قليلة ينفصل فيها الإنسان عن شاشة، أو اجتماع، أو شارع مزدحم، أو سلسلة طويلة من المهام.
لهذا لا يتعلّق الأمر بالكافيين وحده.
فبعض الناس يشربون قهوة خفيفة، وبعضهم يفضلون مذاقها أكثر من أثرها.
هناك من يكرّرون الطقس نفسه لأنهم يحبون ما يرافقه: صوت الغليان، رائحة البن، دفء الكوب بين اليدين، أو لحظة الصمت الأولى.
كل ذلك يجعل القهوة موعدًا يوميًا.
موعدًا مع النفس أحيانًا، ومع الآخرين أحيانًا أخرى.
وفي عالم تزداد فيه الأيام ازدحامًا، يُصبح الفنجان طريقة صغيرة لقول شيء بسيط: ما زال في اليوم مكان للحظة تخصّنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك