د.
سهير بنت سند المهندي: إن قرار اسقاط الجنسية لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل هو تحول في فلسفة إدارة الدولة لأمنها وحدود تسامحها، لقد انتقلت البحرين من منطق" استيعاب المخاطر" إلى" " تحييدها"، ومن سياسة الاحتواء التي راهنت طويلًا على إعادة دمج المخالف في النسق الوطني، إلى سياسة تعيد تعريف المواطنة باعتبارها التزامًا مُلزِمًا لا حالة قابلة للتفاوض،
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من تراكم تجربة أثبتت أن التسامح غير المشروط، حين يُساء فهمه، يتحول من قيمة أخلاقية إلى ثغرة أمنية، وعليه، فإن إسقاط الجنسية هنا لا يُقرأ كعقوبة بقدر ما يُقرأ كإعادة ضبط لمعيار الانتماء، وكإعلان صريح بأن الهوية الوطنية ليست مظلة تحمي من يناقضها.
في سياق إقليمي مضطرب، حيث تتقاطع التأثيرات السياسية والإعلامية والأمنية، خصوصًا في ظل توترات مرتبطة بسلوكيات إيران، يصبح الحسم ضرورة سيادية لا خيارًا سياسيًا، فالدولة التي تدرك طبيعة التهديدات المركبة لا تنتظر اكتمال الخطر، بل تبادر إلى تفكيكه في مراحله الرمزية الأولى، حيث يبدأ من خطاب التعاطف قبل أن يتجسد في الفعل، ومن هنا، فإن هذا القرار يؤسس لمرحلة ردع ذهني قبل أن يكون ردعًا قانونيًا، يوجّه رسالة مزدوجة: للداخل بأن سقف الولاء غير قابل للالتباس، وللخارج بأن السيادة الوطنية ليست مجالًا للاختبار أو الاختراق.
أما من زاوية الأصولية، فإن هذا القرار يعيد صياغة مفهوم" العقد الاجتماعي" بين الدولة والمواطن.
، لم يعد العقد قائمًا على تبادل الحقوق والخدمات فقط، بل على معادلة أخلاقية صارمة: الأمن مقابل الولاء، والاستقرار مقابل المسؤولية، إن المواطنة هنا تُستعاد كقيمة معيارية، لا كصفة إدارية، وكهوية تُصان بالفعل لا بالادعاء، وبالتالي، فإن من يخرج عن هذا الإطار لا يفقد حقًا فحسب، بل يفك ارتباطه الذاتي بالعقد الذي يمنحه هذا الحق، إنها لحظة تعيد فيها الدولة تعريف نفسها ككيان لا يساوم على وجوده، وتعيد فيها للمواطن وعيه بأن الانتماء ليس شعارًا يُرفع، بل موقف يُختبر، وأن صلابة الدولة ليست في قوتها فقط، بل في وضوح حدودها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك