لم يكن الصدى الذي أحدثته كلمة الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، وزير الخارجية، أمام مجلس الأمن الدولي أمس الأول مجرد موجة عابرة في أروقة الأمم المتحدة، بل كان بمثابة تدخل مدروس يهدف إلى تحفيز الإصلاح في منظومة الدبلوماسية الدولية.
فمع تولي مملكة البحرين رئاسة المجلس لدورة أبريل 2026، اختارت أن تفتتح عهدها بتقديم وثيقة سياسية وقانونية تُشخّص التحديات التي تواجه أمن الملاحة العالمية، وتضع النقاط على الحروف في ملف لطالما أُحيط بهالة من الغموض الاستراتيجي.
لقد راعني، كما راع الكثير من المتابعين، ذلك الأسلوب التحليلي الثاقب والناقد الذي انتهجه الوزير حين صاغ جملة من التساؤلات الجوهرية والمباشرة حول فاعلية النظام الدولي ومؤسساته.
تلك التساؤلات، التي تجاوزت البحث عن تنظيرات مجردة، كانت بمثابة صياغة دقيقة لأوجه القصور التاريخية للمجتمع الدولي في حماية الشرايين الاقتصادية للممرات المائية الحيوية.
إنها تساؤلات نابعة من استشعار عميق بالمسئوليه في مواجهة جدار الصمت الدولي، محذرة من أن فاتورة الصمت ستدفعها الدول من أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي.
إن استحضار تساؤلات الوزير اليوم يعيدنا بالذاكرة إلى المبادرة الأولى لمملكة البحرين في هذا المجال، والتي سعت إلى وضع إطار قانوني وعملي ملزم لحماية الممرات المائية، وهي المبادرة التي جوبهت سابقاً بنقض (فيتو) من قبل روسيا والصين.
إن إعادة تأكيد البحرين القوي اليوم، في سياق رئاستها لمجلس الأمن، يبرهن على ثبات موقفها ورفضها التقاعس عن حماية مصالحها ومصالح المجتمع الدولي على حد سواء.
كما يعكس قدرة الدبلوماسية البحرينية على الاستمرار في طرح مواقفها المبدئية، مدعومة بإيمان راسخ بضرورة إصلاح آليات صنع القرار الدولي.
إننا اليوم، ومعنا كل من ينشد السلم الدولي، نقف بانتظار الرد على هذه التساؤلات يا سعادة الوزير، الرد الذي يتجاوز المواربة أو التأكيدات التي تتبخر بمجرد انتهاء الجلسات.
إن قوة الخطاب البحريني يكمن في التزامه بإطار عمل يرتكز على القانون الدولي والمسؤولية المشتركة، بعيداً عن المصالح الذاتية الضيقة، مؤكداً أن المساس بحرية الملاحة يمثل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين، وأن أمن الطاقة العالمي لا ينبغي أن يكون رهينة لسياسات التصعيد.
وفي هذا السياق، لا بد من وقفة إجلال لهذا الأداء الدبلوماسي البحريني الرفيع، الذي يعكس تقاليد مدرسة دبلوماسية عريقة تتسم بالرصانة والحكمة والمثابرة، تحت قيادة سعادة الدكتور عبداللطيف الزياني، وبدعم من طاقم كفؤ ومحترف بوزارة الخارجية.
لقد نجح هذا الفريق في إيصال صوت مملكه البحرين إلى أعلى مستويات صنع القرار الدولي بكل ثقة واتزان، فهذه الدبلوماسية التي تزاوج بين المرونة في الإدارة والصلابة في المبدأ هي تحديداً ما رفع مكانة البحرين كطرف ومحاور وموثوق في أعقد القضايا الدولية.
لقد رفعت البحرين، من خلال رئاستها لمجلس الأمن، سقف التوقعات، وأثبتت أن الدول تُقاس بصدق توجهاتها.
إن تساؤلات الوزير اليوم هي بمثابة أمانة مودعة لدى المجتمع الدولي، ونحن بانتظار إجابات عملية تعيد للممرات المائية مكانتها وتؤكد ضمانات الملاحة الدولية.
فهل يمتلك النظام الدولي اليوم جرأه الجواب؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك