لم يتمكن نوري المالكي من العودة إلى منصب رئاسة الوزراء في العراق بعد 12 عاماً على تركه للمنصب، بسبب التهديد الأميركي على لسان الرئيس دونالد ترمب وخشية بغداد من أي عزلة دولية وعقوبات في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، في الوقت الذي تم التوافق بين القوى السياسية الشيعية على تسمية علي الزيدي مرشحاً للحكومة خلفاً لمحمد شياع السوداني في حال صوت له البرلمان.
ورغم تأخر القوى السياسية الشيعية المقربة من إيران ليوم واحد بعد انتهاء المهلة الدستورية المحددة لتسمية رئيس وزراء، إلا أن الفراغ الدستوري لم يستمر أكثر من 24 ساعة، حيث كلف الرئيس العراقي نزار آميدي رسمياً رجل الأعمال والمصرفي علي الزيدي لتشكيل حكومة جديدة كمرشح توافقي بين المالكي والسوداني.
ومع ترشح الزيدي لرئاسة الحكومة نناقش في هذا التقرير أهمية ذلك في داخل العراق وبالنسبة للعلاقات مع سوريا، والتي تمكن رئيس وزرائها السابق محمد شياع السوداني من جعلها ممكنة في حدود جيدة، خصوصاً مع التحديات الأمنية على جانبي الحدود التي تبلغ أكثر من 618 كيلومتراً.
وضع الرفض الأميركي لترشيح نوري المالكي عقبات كثيرة أمام القوى الشيعية التي تشكل المشهد السياسي في العراق، حيث فشلت كل جهود التوافق، ما دفع المالكي والسوداني للتنازل عن الترشيح، والدفع ليكون مرشح" الكتلة الأكبر" هو علي الزيدي.
ووفقاً لنظام محاصصة بين القوى السياسية، يعد منصب رئيس الجمهورية من حصة المكون الكردي ويشغله نزار آميدي، في حين منصب رئيس الوزراء للمكون الشيعي، ومنصب رئيس مجلس النواب للمكون السني ويشغله هيبت الحلبوسي، ضمن الدستور الذي توافقت عليه القوى السياسية العراقية بإشراف من الاحتلال الأميركي للبلاد بعد عام 2003.
ويُعد" الإطار التنسيقي" المظلة السياسية الجامعة للقوى الشيعية الرئيسية في العراق (باستثناء التيار الصدري)، وقد تأسس عقب انتخابات 2021 لضمان التوازن السياسي، ويضم ائتلافات وازنة يتصدرها" دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، و" تحالف الفتح" بزعامة هادي العامري، إلى جانب" قوى الدولة" برئاسة عمار الحكيم، وجميع هذه القوى على تتلقى دعماً قوياً من إيران، وساهم في تشكيلها الحرس الثوري بقيادة قاسم سليماني قبل أن يتم اغتياله من قبل الولايات المتحدة مطلع عام 2020.
يعد الزيدي أصغر مرشح لرئاسة الوزراء في العراق، فهو من مواليد محافظة ذي قار جنوبي البلاد يبلغ من العمر 40 عاماً، ومن عائلة كبيرة معروفة بحضورها الاجتماعي.
شخصية غير معروفة سياسياً وفي الغالب هو واجهة لنوري المالكي، حصل على شهادة الماجستير في المالية والمصرفية، مسبوقة بدرجتي بكالوريوس في التخصص ذاته إضافة إلى القانون، بحسب وكالة الأنباء العراقية" واع".
تدرج الزيدي في عدد من المناصب الإدارية، إذ ترأس مجالس إدارات: " الشركة الوطنية القابضة"، و" جامعة الشعب"، و" معهد عشتار الطبي"، و" مصرف الجنوب" (سابقا)، وحاز أيضا على عضوية في نقابة المحامين العراقيين.
كيف يمكن قراءة المشهد داخل العراق؟صحيح تمت تسمية الزيدي وأعلن عن ذلك، لكن ما إمكانية نجاح مهمته في الوصول إلى تشكيل الحكومة وقيادة السلطة التنفيذية في ظل تحديات سياسية وأمنية داخلية وخارجية، وحرب أميركية إسرائيلي ضد الجارة الشرقية إيران، والتدخل الأميركي المباشر في منع وصول أسماء بعينها لرئاسة الوزراء، وتغير سياسي شامل في الجارة الغربية سوريا؟وفي سياق متصل، يجيبنا المحلل السياسي العراقي نظير الكندوري قائلاً: " إن علي الزيدي غير المعروف سياسياً، هو نتاج التوافق بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، بعد أن فشل الإطار التنسيقي على الاجماع على مرشح لرئاسة الوزراء، مرضي عنه من قبل جميع أطراف الإطار التنسيقي".
وأضاف الكندوري لموقع" تلفزيون سوريا"، " أن من نقاط قوة الزيدي والتي أفضت إلى ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء، هو (ضعفه السياسي) وعدم وجود كتلة برلمانية داعمه له، وبالتالي فهو بهذه الحالة سيكون أسيرا لمن رشحه لهذا المنصب وينفذ ما يُطلب منه، وهذا ما يريده قادة الإطار التنسيقي بالضبط".
ويرى المحلل السياسي العراقي أن الزيدي، القادم من خلفية اقتصادية، تحيط به شبهات فساد وعلاقات مالية مع قوى نافذة، ما يجعله مقرباً من أطراف متعددة داخل المشهد السياسي.
ويشير إلى أن ترشيحه جاء مع إدراك مسبق من قادة" الإطار التنسيقي" بعدم قدرته على تشكيل حكومة، لافتقاره إلى كتلة نيابية داعمة، ما يجعله أداة لكسب الوقت أكثر من كونه خياراً حقيقياً للحكم.
وأضاف أن الإطار يسعى من خلال هذا الترشيح إلى تجاوز الضغوط الدستورية والأميركية، وكسب مهلة إضافية بانتظار اتضاح نتائج التفاهمات الأميركية الإيرانية، التي ستؤثر مباشرة في شكل الحكومة المقبلة.
ووفق هذا السيناريو، من المرجح ألا ينجح الزيدي في تشكيل الحكومة، بل يمنح القوى السياسية فرصة لإعادة ترتيب خياراتها.
كما بيّن الكندوري أن هذا الأسلوب في طرح مرشحين مؤقتين لا ينفصل عن التأثير الإيراني في العراق، في محاولة لحماية قوى الإطار من الضغوط.
وفي حال نجاحه، لن يشكل الزيدي عبئاً على إيران، بل قد يخدم مصالحها، خاصة مع ارتباط اسمه سابقاً بملفات مالية مثيرة للجدل.
من جانبه قال الباحث في الشأن العراقي مجاهد الطائي، إن" القرار السياسي في العراق لا يقتصر على البرلمان، بل يتأثر أيضاً بدورين أميركي وإيراني"، مشيراً إلى" وجود توافق داخل قوى (الإطار التنسيقي) وتنسيق مع طهران، ما يجعلها راضية عن الوضع الحالي، في حين يبقى الموقف الأميركي عاملا حاسما".
ولفت إلى أن الولايات المتحدة، أو الجهات المرتبطة بها داخل العراق، لم تعلن حتى الآن موقفا واضحا من التكليف، ما يضفي مزيدا من الضبابية على المشهد.
وبيّن الطائي أن ما يجري حالياً يُرجح أن يكون محاولة لكسب الوقت، نظراً لارتباط الملف العراقي بالملف الإيراني الذي لم يُحسم بعد، ما يجعل الأمور معلّقة بانتظار اتضاح مسار هذا الملف.
وأشار إلى أن القوى السياسية قد تكون بانتظار اتفاق حول المرشح النهائي لرئاسة الوزراء، مع احتمال إعادة تكليف السوداني، لكنه أكد أن المشهد لم يُحسم بعد، وأن خيار كسب الوقت هو الأرجح، مع إمكانية طرح مرشحين جدد واستمرار جولات التفاوض.
هل يؤثر الترشيح الجديد على العلاقة مع سوريا؟خلال عام ونيف تمكنت بغداد ودمشق من نسج علاقات جيدة في ظل تعقد المشهد في البلدين، حيث التقى رئيس الوزراء السوداني الرئيس السوري أحمد الشرع في الدوحة بشهر نيسان 2025، كما حدثت لقاءات متعددة بين الوزراء والمسؤولين الأمنيين، وصولاً إلى تصدير النفط العراقي عبر الموانئ السورية في خطوة تعد مهمة استراتيجياً لكلا البلدين.
ومع الترشيح الجديد، يرى الباحث العراقي مجاهد الطائي أن السياسة الخارجية العراقية، بما فيها تجاه سوريا، تمثل امتداداً لنهج بدأ بعد عام 2015 عقب ظهور تنظيم" داعش"، حيث تبنّى العراق سياسة انفتاح على دول الخليج بعد سنوات من التوتر.
ومع انطلاق التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وتعزيز التعاون مع الإقليم والمجتمع الدولي، شهدت علاقات بغداد الخارجية تحسناً ملحوظاً، واتجهت نحو خطوات دبلوماسية أكثر إيجابية.
وأشار إلى أن مرحلة التغيير في سوريا شهدت مواقف فردية وإعلامية لا تعكس بالضرورة سياسة الدولة العراقية، التي حافظت على قدر من الاتزان وتجنبت تأزيم علاقاتها الإقليمية.
وبشكل عام، أكد الطائي أن السياسة العراقية تقوم على تجنب التصعيد وتعزيز الانفتاح، وهو نهج استمر عبر حكومات متعاقبة من العبادي إلى الكاظمي ثم السوداني.
وعليه، تبدو هذه السياسة مساراً مستمراً يحكم علاقات العراق مع مختلف الدول، ومنها سوريا، ضمن مقاربة أكثر توازناً مقارنة بالمراحل السابقة.
بدوره قال المحلل السياسي نظير الكندوري بالنسبة لعلاقات العراق مع سوريا في ظل حكومة قد يترأسها الزيدي، " فلا نعتقد أنها ستتغير بشكل حاد، لا سيما أن حكومة بهذا القدر من الضعف، لن تكون مسؤولة ذاتيا عن سياستها الخارجية، إنما ستكون سياسة متوافقا عليها بين قبل المالكي والسوداني وبتنسيق إيراني، لتحقيق مصالح عراقية ملحة، أهمها تتمثل في تصدير نفطه عن طريق سوريا، بسبب الصعوبات التي يلاقيها بتصدير نفطه عن طريق الخليج".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك