بعد أشهر قليلة من تولي الزميل العزيز الكاتب الصحفي مصطفى عمار رئاسة تحرير صحيفة «الوطن»، جمعتنا لقاءات مهنية متكررة اتسمت بالحوار الحيوي وتبادل الأفكار.
وفي صيف عام 2024، طرحت عليه لأول مرة فكرة مشروع مجلة «الوطن العربي»، باعتباره إصداراً استراتيجياً صحفياً متخصصاً في التحليل السياسي، يقدم رؤية مصرية عميقة للقضايا الإقليمية والدولية.
وكان الحلم أن نقدم تجربة صحفية مختلفة، تستلهم النماذج العربية الناجحة في الصحافة التحليلية، وتخاطب جمهوراً واسعاً في الداخل والخارج، من خلال سردية وطنية تعتمد على خبراء وباحثين ومفكرين من مختلف الجنسيات.
أبدى رئيس التحرير حماساً واضحاً للفكرة، واتفقنا على إعداد تصور أوّلي للمشروع يمهد لتحويله إلى واقع.
وبالفعل أعددت تصوراً مبدئياً، تضمن نواة فكرية واضحة لهوية المجلة، قبل أن يتوقف النقاش مؤقتاً لانشغالي بمرحلة تأسيس المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار.
وكان التصور الأوّلي قد تضمن فقرة أراها حتى اليوم نواة التأسيس الأصيلة للفكرة، إذ نص على أن هدف مجلة «الوطن العربي» هو: «طرح وجهة النظر المصرية في القضايا الإقليمية وبعض الملفات الدولية المؤثرة في مستقبل منطقة الشرق الأوسط، خلال مرحلة يتشكل فيها النظام العالمي الجديد، بما يجعل المجلة منصة وعي استراتيجية تخاطب الجمهور المصري والعربي في مختلف أنحاء العالم».
وبعد أقل من عام، ومع انطلاق المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، برزت فكرة تعزيز التشبيك بين المؤسسات البحثية والإعلامية، وهو ما فتح الباب لتحويل الحلم إلى مشروع قابل للتنفيذ.
وكانت جريدة «الوطن» من أكثر الجهات حماساً للتعاون، حيث تطورت الفكرة سريعاً من بروتوكول تعاون بين الجريدة والمنتدى إلى مشروع متكامل.
وشهدت تلك المرحلة انضمام الدكتور أحمد محمود إلى دائرة النقاش حول المشروع، حيث شارك في بلورة الرؤية الفنية للمجلة، ومنحها دفعة قوية نحو التنفيذ، تزامناً مع توليه منصبه رئيساً لمجلس إدارة «الوطن».
وبفضل الله، وجهود فريق مخلص من الزملاء في المنتدى الاستراتيجي وجريدة «الوطن»، صدر العدد الأول في أغسطس 2025، حاملاً عنواناً افتتاحياً: «الشرق الأوسط الجديد.
الفرص والتحديات»، ليعلن بداية مسار تحليلي يسعى إلى قراءة تحولات الإقليم بعمق وموضوعية.
ثم توالت الأعداد؛ فجاء العدد الثاني بعنوان: «مستقبل الدين السياسي بين التحولات الإقليمية والتوظيف في حسم الصراعات»، بينما ركز العدد الثالث على: «فرص التموضع الاستراتيجي بعد قمة شرم الشيخ.
الحضور العربي ومستقبل القضية الفلسطينية في عالم مضطرب».
وفي يناير 2026، تناول العدد الرابع ملف «مصير السودان»، فيما طرح العدد الخامس سؤالاً استراتيجياً مهماً: «كيف استعاد مشروع الدولة الوطنية العربية الثقة والثقل؟ »، قبل أن يحتل الملف الإيراني صدارة العدد السادس، الذي سعى إلى استشراف مستقبل اليوم التالي في إيران بعد الحرب، متسائلاً: «هل يتراجع مشروع الدولة الإسلامية؟ ».
إن أعداد مجلة «الوطن العربي» كانت نتاج شراكة استثنائية بين مؤسسة صحفية كبيرة ومشروع فكري وثقافي طليعي.
ولم يقتصر العمل على إصدار المجلة، بل امتد ليشمل تنظيم عدد من الندوات الاستراتيجية التي شارك فيها وزراء وسفراء سابقون، وخبراء أكاديميون وكتاب صحفيون، ما أضفى على النقاشات ثراءً وتنوعاً انعكس بوضوح على محتوى المجلة ومنصاتها المختلفة.
كانت تجربة «الوطن العربي» نموذجاً حياً على قدرة العمل المشترك بين المؤسسات الإعلامية والمراكز الفكرية على إنتاج محتوى نوعي يحاول أن يقدم فهماً للرؤى الاستراتيجية المستقبلية، في سياق فلسفة الردع الثقافي الاستباقي برفع الوعي الجمعي بتحديات الإقليم.
تشرفت، ومعي زملائي في المنتدى الاستراتيجي، بهذه الرحلة القصيرة والممتعة مع «الوطن».
وهي رحلة نسعى جميعاً إلى استمرارها وتعزيزها بمزيد من التعاون المثمر، إيماناً منا بأن الشراكات المهنية الناضجة مع المؤسسات الوطنية الفاعلة هي الطريق الأقصر لبناء مشاريع فكرية راسخة وقادرة على التأثير.
فـ«الوطن»، التي تحتفل اليوم بعيد ميلادها، لم تكن مجرد صحيفة نقدرها ونحترمها منذ أن أطلت علينا في عددها الأول قبل أربعة عشر عاماً، رافعة شعار «صحافة يكتبها القارئ»، بل مؤسسة يجتمع تحت سقفها كفاءات وكوادر يتحقق بهم الشعار الأهم الذي تتميز به الجريدة: «الوطن قوته في ناسه».
كل التحية للزملاء الأعزاء بالجريدة وكل عام وهم بخير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك