عمان – تتوالى إقالات المدربين في دوري المحترفين لكرة القدم بصورة عشوائية ومن دون تقييم فني حقيقي، في مشهد غير مسبوق، يعكس حجم التخبط الإداري.
واشتعل الدوري هذا الموسم على وقع" زلزال" فني غير معتاد، بعدما تعاقب 25 مديرا فنيا على تدريب الفرق من دون ذكر المؤقتين، في رقم صادم يؤكد غياب الاستقرار تماما عن أندية البطولة، التي باتت قراراتها رهينة ردود الفعل وضغط الجماهير، أكثر من كونها جزءا من مشروع فني واضح.
اضافة اعلانوتطرح هذه الفوضى تساؤلات عميقة، حول أهلية بعض إدارات الأندية في تقييم العمل الفني، في ظل غياب واضح للجان فنية متخصصة داخل معظم الأندية، الأمر الذي يجعل قرارات التعيين والإقالة أقرب للاجتهادات الفردية وردود الفعل السريعة، لا إلى دراسات فنية دقيقة، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة، حول آلية اتخاذ القرار ومدى انسجامه مع مصلحة الفرق على المدى البعيد.
وجاء التغيير المفاجئ في نادي الحسين إربد، بإقالة المدير الفني البرازيلي ني فرانكو وتعيين أحمد هايل، ليؤكد مجددا أن إدارات الأندية تسير وفق نبض المدرجات، في مشهد أعاد إلى الأذهان سيناريو الموسم الماضي كنسخة كربونية، عندما تولى هايل المهمة في الأمتار الأخيرة بعد إقالة المدير الفني البرتغالي جواو موتا، وقاد الفريق إلى لقب الدوري بهدية درامية من فريق الرمثا، بعدما خطف التعادل من مضيفه الوحدات في الوقت بدل الضائع، قبل أن يخسر لقب الكأس، ما عزز قناعة بعض الإدارات بإمكانية تكرار الوصفة ذاتها في اللحظات الحاسمة.
وكان هايل، رفض في فترات سابقة عددا من العروض المقدمة من أندية في دوري المحترفين، مفضلا التريث وعدم التسرع في خوض تجربة جديدة، في انتظار الفرصة المناسبة التي تتماشى مع طموحاته الفنية، ويبدو أن عودته لقيادة الحسين إربد جاءت في توقيت حساس، لتؤكد قناعته باختيار التحدي في اللحظة التي يراها قادرة على صناعة الفارق، خصوصا مع اقتراب الحسم، وارتفاع سقف التطلعات الجماهيرية.
والمفارقة، أن المدرب البرازيلي المقال ني فرانكو، تسلم الفريق وهو في المركز الثالث، وتركه في صدارة الدوري بفارق 3 نقاط مع تبقي جولتين فقط، كما قاد الفريق الى ربع نهائي دوري أبطال آسيا 2، ما يطرح تساؤلات فنية مشروعة حول جدوى القرار وتوقيته.
ويعد هايل المدرب الثالث للفريق هذا الموسم، بعدما بدأ النادي مع البرتغالي كيم ماتشادو، قبل إقالته والتعاقد مع فرانكو، الذي دفع مؤخرا ثمن التعادل المخيب أمام شباب الأردن، وهو التعادل الذي ساهم في تأجيل الحسم ومنح الفيصلي فرصة جديدة للعودة إلى سباق المنافسة.
ويتصدر الحسين إربد، جدول الترتيب برصيد 56 نقطة، يليه الفيصلي ثانيا بـ53 نقطة، ثم الوحدات ثالثا بـ50 نقطة، في صراع مشتعل على اللقب حتى الجولات الأخيرة.
ويواجه الحسين إربد، نظيره متذيل الترتيب سما السرحان، بينما يلتقي الفيصلي فريق الرمثا في الجولة السادسة والعشرين، قبل مواجهة مرتقبة تجمع الحسين إربد والفيصلي في الجولة الأخيرة، قد تحسم هوية البطل.
ولم يسلم أي فريق من مسلسل مغادرة المدربين، في ظاهرة تتكرر كل موسم لكنها بلغت العام الحالي ذروتها، حيث شهدت 10 فرق تغييرات متكررة على أجهزتها الفنية، في ظل غياب الاستقرار ووضوح الرؤية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على المستوى الفني العام للدوري.
وعلى صعيد التغييرات، يعد الفيصلي من أكثر الفرق التي غيرت أجهزتها الفنية هذا الموسم، حيث بدأ مع جمال أبو عابد، قبل التعاقد مع الصربي دينيس كوريتش، ثم عبد الله أبو زمع، وصولا إلى مؤيد أبو كشك، في سلسلة تغييرات تعكس حالة عدم الاستقرار.
وسار الوحدات على النهج ذاته، بعدما بدأ مع التونسي قيس اليعقوبي، ثم الصربي دراكو نيستيروفيتش، قبل أن يستقر على جمال محمود، في رحلة بحث مستمرة عن التوازن الفني.
ولم يكن الرمثا بعيدا عن المشهد، إذ أقال المدرب المونتينيغري ميليان رادوفيتش رغم سلسلة نتائجه الإيجابية، عقب الخسارة الأولى في الدوري، في قرار جاء تحت ضغط جماهيري واضح.
وفي السلط، قدم هيثم الشبول استقالته بعد تلقيه عرضا تدريبيا خارجيا، ليتم تعيين التونسي محمد العياري، فيما شهد الجزيرة استقالة مدربه عامر عقل وتعيين رأفت علي، وتعاقد الأهلي مع بشار بني ياسين قبل إقالته وتعيين رائد الداوود.
كما بدأ البقعة الموسم مع محمود شلباية، قبل فسخ عقده والتعاقد مع رائد عساف، في حين حافظ شباب الأردن على استقرار نسبي مع عيسى الترك، قبل أن يقدم استقالته في الجولات الأخيرة، ليتولى شلباية المهمة.
أما السرحان" الوافد الجديد"، فكان حاضرا في قائمة التغييرات، بعد مغادرة مدربه حسين كاظم مبكرا، وتعاقب أكثر من مدرب على قيادته، وسط صعوبات واضحة في مجاراة المنافسة.
ومع اقتراب خط النهاية، تبدو الصورة مفتوحة على مزيد من القرارات المفاجئة، في حال استمرت النتائج المتذبذبة، ما قد يجعل هذا الموسم أحد أكثر المواسم غرابة على صعيد الاستقرار الفني.
ويرى متابعون، أن هذه الفوضى الفنية أضعفت هوية الفرق، وحرمت اللاعبين من الاستقرار التكتيكي، إذ إن كل مدرب يأتي بفلسفة مختلفة، ما يربك المنظومة ويؤثر على الانسجام داخل الملعب، خاصة في المراحل الحاسمة من الموسم.
كما تكشف هذه الأرقام عن أثر مالي واضح للتخبطات الإدارية، حيث لم تقتصر التداعيات على الجانب الفني فقط، بل امتدت إلى الأعباء المالية نتيجة فسخ العقود المتكرر ودفع الشرط الجزائي، في وقت تعاني فيه معظم الأندية من ضائقة مالية، خاصة وأن الأزمة الحقيقية لا تكمن في تغيير المدربين بحد ذاته، بل في غياب استراتيجية واضحة داخل الأندية، إذ إن الاستقرار لا يعني بقاء المدرب فقط، بل وجود منظومة متكاملة تدعم العملين الفني والإداري على حد سواء.
ويؤكد المدرب الوطني عثمان الحسنات، أن ما يحدث في الدوري يعكس خللا بنيويا في إدارة الملف الفني داخل الأندية، وأن غياب اللجان الفنية المتخصصة يجعل القرارات رهينة الاجتهادات الفردية، وهو ما يؤدي إلى تقييم غير دقيق لعمل المدربين.
وأضاف الحسنات في حديثه لـ" الغد": " المدرب لا يحصل على الوقت الكافي لتطبيق أفكاره، حيث يتم الحكم عليه بسرعة بناء على نتائج آنية، وهذا يتنافى مع أسس العمل الاحترافي، وكثرة التغييرات تضر باللاعبين قبل المدربين، لأنها تفقد الفريق هويته الفنية".
وزاد: " الاستقرار لا يعني الإبقاء على المدرب مهما كانت النتائج، بل يعني وجود خطة واضحة ومنظومة عمل متكاملة تدعم الجهاز الفني، وأن الأندية الناجحة هي التي تمتلك هيكلا فنيا قادرا على اتخاذ القرار بعيدا عن الضغوط".
واختتم قائلا: " الدوري بحاجة إلى إعادة صياغة فكر إداري جديد، يوازن بين طموحات الجماهير ومتطلبات العمل الفني، وإلا فستبقى دوامة التغييرات مستمرة من موسم لآخر من دون تحقيق التطور المنشود".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك