في مارس 2026، طرحت صحيفة “البلاد” عبر تحقيق اقتصادي استشرافي سؤالا بدا حينها أقرب إلى التحذير المبكر: ”هل ينجح الخليج في كسر احتكار مضيق هرمز؟ ” واليوم، ومع تصاعد التوترات الإقليمية التي خلفها العدوان الإيراني الغاشم، ورفض قادة مجلس التعاون القاطع لأي تعطيل للملاحة أو فرض رسوم على عبور السفن، تتحول الفكرة من نقاش صحفي إلى ضرورة استراتيجية تتقدم إلى صدارة الأمن الخليجي، ليس فقط بوصفها قضية نفط، بل باعتبارها معركة سيادة اقتصادية ولوجستية وأمن قومي طويل المدى.
القمة التشاورية الخليجية التاسعة عشرة في جدة لم تتوقف عند إدانة الاعتداءات الإيرانية ورفض تهديد المضيق، بل وضعت بوضوح مسارًا عمليًّا عبر الدعوة للإسراع في مشروع أنابيب النفط والغاز وسكك الحديد الخليجية والمخزون الاستراتيجي، وربط الموانئ والخدمات اللوجستية، وهذا التوجه يعكس إدراكًا خليجيًّا متزايدًا بأن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًّا، لم يعد مجرد ممر بحري، بل نقطة اختناق استراتيجية يمكن استخدامها كورقة ضغط جيوسياسي تهدد الاقتصاد العالمي بأسره.
تحقيق “البلاد” في مارس الماضي سبق هذا الطرح حين ناقش بعمق فكرة “ممرات الطاقة البديلة”، مستعرضًا آراء خبراء أكدوا أن الحل لم يعد في ردود الفعل المؤقتة، بل في بناء بنية تحتية جديدة تعيد رسم خريطة الطاقة الخليجية، ومن بينها رؤية “شبكة الأخطبوط”، وهي شبكة خليجية موحدة لخطوط الأنابيب تمتد من الكويت إلى عمان، مع تفرعات نحو البحر الأحمر وبحر العرب، بما يسمح بتصدير النفط والغاز بعيدًا عن الاختناق الهرمزي، وهذه الفكرة، التي تستلهم نجاح الربط الكهربائي الخليجي، تمثل عمليًّا انتقالًا من مفهوم “الممر الواحد” إلى “تعدد المسارات”.
الأرقام تجعل التحرك أكثر إلحاحًا؛ فوفق الخبراء، ما يزال مضيق هرمز يحمل قرابة خمس الاستهلاك العالمي من النفط، ويمثل ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، إضافة إلى نسبة كبيرة من الغاز المسال، صحيح أن السعودية تمتلك خط “بترولاين” إلى ينبع بطاقة تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًّا، والإمارات تمتلك خط حبشان الفجيرة، إلا أن هذه البدائل، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية لتعويض كامل تدفقات الطاقة الخليجية.
من هنا، يصبح المطلوب خليجيًّا ليس مجرد تحسين خطوط قائمة، بل تأسيس منظومة تكاملية جديدة تشمل توسيع خطوط الأنابيب العابرة إلى البحر الأحمر وبحر العرب، وتطوير موانئ استراتيجية في عمان والفجيرة والدقم، وربط دول الخليج بشبكات نقل بري وسككي للطاقة، وإنشاء مناطق تخزين استراتيجية مشتركة، وبناء نظام أمني موحد لحماية الممرات الجديدة.
ويرى محللون أن هذا التحول، رغم تكلفته العالية، سيمنح الخليج ثقلًا سياسيًّا واقتصاديًّا أكبر، ويحد من قدرة أي طرف إقليمي على احتكار بوابة الطاقة العالمية، كما أن الممرات الجديدة لن تكون مجرد بدائل وقت الأزمات، بل أدوات لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وتعزيز مرونة التجارة والطاقة لعقود قادمة.
الخلاصة التي باتت أكثر وضوحًا اليوم أن مضيق هرمز سيظل مهمًّا، لكنه يجب ألا يبقى الخيار الوحيد، ففكرة “البلاد” التي طُرحت في مارس لم تعد مجرد سيناريو اقتصادي، بل أصبحت جزءًا من نقاش استراتيجي خليجي أوسع: ”كيف تتحول المنطقة من الاعتماد على ممر واحد إلى هندسة شبكة ممرات متعددة تكسر الحصار الجغرافي، وتحمي المصالح الخليجية، وتضمن استقرار الطاقة العالمي؟ ”، والإجابة بدأت تتشكل فقد يكون عنوان المستقبل.
الخليج بعد هرمز وليس رهينة هرمز.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك