في الخامس والعشرين من أبريل من كل عام، تستدعي الذاكرة الوطنية المصرية واحدة من أنصع صفحاتها، حين استعادت الدولة المصرية كامل ترابها في سيناء، بعد مسيرة طويلة من الكفاح العسكري والدبلوماسي، وفي الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، لا يبدو الاحتفاء مجرد استدعاء لحدث تاريخي، بل يمثل مناسبة للتأمل في مسار ممتد، يبدأ بالتحرير ولا ينتهي عنده، بل يتجاوزه إلى مشروع أشمل قوامه التعمير وبناء المستقبل.
فسيناء ليست مجرد إقليم جغرافي يقع على تخوم الدولة، بل هي في الوعي القومى المصري مرادف موضوعي لمعاني السيادة والكرامة الوطنية، فمنذ أقدم العصور، شكّلت هذه الأرض بوابة مصر الشرقية، ومجالًا للتفاعل الحضاري والديني، قبل أن تتحول في العصر الحديث إلى مسرح للصراع، حيث اختُبرت فيها إرادة الدولة المصرية وقدرتها على الصمود واستعادة الحقوق، ومن ثم، فإن استردادها لم يكن حدثًا عسكريًا فحسب، بل لحظة فارقة تأسيسية أعادت تعريف العلاقة بين الأرض والهوية.
غير أن القراءة المتأنية لتجربة سيناء تكشف أن التحرير، على أهميته، لا يمثل سوى المرحلة الأولى في معادلة أكثر تعقيدًا، حيث تبرز ضرورة الانتقال من استعادة الأرض إلى استثمارها، ومن تثبيت السيادة إلى تعميقها عبر التنمية الشاملة، فالأرض التي حُررت بدماء أبنائها، تحتاج إلى أن تُصان بسواعدهم في البناء، وأن تتحول من ساحة مواجهة إلى ساحة تنمية واستقرار وازدهار.
وفي هذا السياق، تكتسب سيناء خصوصية استراتيجية لا تقتصر على موقعها الجغرافي، الذي يربط بين قارتي آسيا وأفريقيا ويطل على ممرات مائية استراتيجية حيوية، بل تمتد إلى ما تختزنه من إمكانات تنموية واعدة، فهي تمتلك مقومات زراعية وسياحية وصناعية، تؤهلها لأن تكون أحد محركات النمو في الاقتصاد الوطني، إذا ما أُحسن توظيف هذه الموارد ضمن رؤية متكاملة تقوم على التوازن بين الأمن والتنمية.
وهذا النهج قد بدأ فعليا مع عهد الجمهورية الجديدة برؤية الزعيم عبد الفتاح السيسىلقد أدركت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة أن تحقيق الاستقرار في سيناء لا ينفصل عن إطلاق عملية تنموية واسعة، تعيد دمجها في الجسد الوطني اقتصاديًا واجتماعيًا، ومن هنا، شهدت المنطقة تنفيذ مشروعات بنية تحتية كبرى، شملت إنشاء الطرق والمحاور، ومد شبكات المياه والكهرباء، وإقامة مجتمعات عمرانية جديدة، فضلًا عن تعزيز الربط الجغرافي عبر الأنفاق أسفل قناة السويس، ولم تكن هذه المشروعات مجرد استجابة لاحتياجات آنية، بل تعبيرًا عن تحول استراتيجي يستهدف إعادة رسم الخريطة العمرانية والاقتصادية لمصر.
ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم المشروعات بقدر ما يتمثل في قدرتها على خلق بيئة مستدامة للحياة، فالتنمية، في جوهرها، ليست عملية إنشائية، بل مشروع إنساني يهدف إلى بناء مجتمع متكامل، تتوافر فيه فرص العمل، والخدمات الأساسية، ومقومات الاستقرار، ومن ثم، فإن إشراك أبناء سيناء في هذه العملية يظل شرطًا أساسيًا لنجاحها، باعتبارهم شركاء أصليين في حماية الأرض وتنميتها.
ولا يمكن إغفال أن تحقيق التنمية في سيناء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتعزيز الأمن، في ظل ما شهدته المنطقة من تحديات خلال السنوات الماضية، فقد أثبتت التجربة أن الأمن والتنمية يمثلان وجهين لعملة واحدة؛ إذ لا يمكن جذب الاستثمارات أو تحقيق الاستقرار الاجتماعي دون بيئة آمنة، كما أن التنمية ذاتها تسهم في تجفيف منابع التطرف والإرهاب، من خلال توفير بدائل حقيقية للشباب وتعزيز انتمائهم الوطني.
وفي هذا الإطار، تبرز دور السياحة كأحد القطاعات الحيوية التي يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في دعم اقتصاد سيناء، لما تتمتع به من تنوع طبيعي وثقافي فريد، غير أن تعظيم الاستفادة من هذا القطاع يتطلب تبني مقاربة متوازنة تراعي اعتبارات الاستدامة البيئية، وتحافظ على الخصوصية الثقافية للمنطقة، بما يضمن استمرارية الموارد وعدم استنزافها.
وفي النهاية، ستظل سيناء رمزًا شامخًا لمعنى وكرامة الوطن في الوجدان المصري؛ وبرهانًا على أن الأرض التي حُميت بالدم وامتزجت فيها تضحيات الماضي بطموحات الحاضر، ستزهر بالعمل والتنمية، حتى تصبح سيناء نموذجًا حيًا لقدرة الدولة على تحويل التحديات إلى فرص عظيمة، وأن مصر حيت تقرر، تستطيع أن تجعل من الصحراء حياة ومن الحدود جسورًا ومن النصر بداية بلا نهاية.
- مدير معهد كونفوشيوس جامعة قناة السويس-عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك